تونس ما بعد الدستور: أي عبرة للمحكمة الدستورية؟

9 شهور ago Chaima Bouhlel 0

يتطرّق هذا المقال إلى ثلاثة هياكل ينص عليها الدستور: هيئة الانتخابات، المجلس الأعلى للقضاء، والمحكمة الدستورية، دون غيرها، لتشابهها رغم اختلاف وظائفها ومسار إرسائها.  إن وظائف هذه الهياكل الدستورية الثلاثة محددة في الدستور، والقوانين المؤطرة لعملها موجودة. هي أيضاً هياكل نصّ الدستور على آجال إرسائها، وهي آجال ارتبطت بتنظيم الانتخابات التشريعية الأولى بعد المصادقة على الدستور.

إن كنت من المؤمنين بأهمية الدستور، وبأن حروفه تعيش عن طريق المؤسسات التي يسطرها، فهذا النص لك. وإن كنت لا ترى في الدستور إطاراً، وإن كان قابلاً للتحسين، ينظم تعامل المواطن (ولا أقول الشخص) مع الدولة، والمواطن مع المواطن، والدولة ومؤسساتها، فغض البصر وواصل، أملاً في أن تعود إليه عند استخدامك لسبابتك في الانتخابات القادمة.

يغلق دستور الجمهورية التونسية الثانية أربع سنوات من العمر خلال شهر تقريباً، وهي، كنهاية أي امتداد زمني، فرصة تسنح لتقييم أدائه في الوفاء بمهمته التي تمهد لها توطئته.

“تأسيساً لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي، في إطار دولة مدنية السيادة فيها للشعب عبر التداول السلمي على الحكم بواسطة الانتخابات الحرة وعلى مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها”. – توطئة الدستور

ماذا يضمن الدستور، وماذا يقترح؟

يلتزم الدستور بمبادئ عدة، بدءاً بمدنية الدولة، مروراً بالحق في الإعلام، وشخصية العقوبة، وحرية الاجتماع، وغيرها. يقترح الدستور ضمان تطبيق تلك المبادئ عن طريق هياكل مختلفة، لا تقتصر على التقسيم التقليدي للسلط: التشريعية والتنفيذية والقضائية، بل تتجاوزها إلى هياكل أخرى مستقلة، تتمثل في الهيئات، وكل بوادر السلطة المحلية من بلديات وجهات وأقاليم.

لا يضمن الدستور اليوم كل الحقوق والحريات كما التزم، وليس هذا عيباً في الحقوق، فهي لا تتحول من حالة لأخرى، بل هي موجودة إلى أن تنتفى. وإنما العيب في باقي المعادلة، المتمثل في غياب كافة الهياكل التي تضمن حياة هذه الحقوق، ليأتي الفرق بين ما يلتزم به الدستور (وجود الحقوق)، وما يقترحه (إرساء الهياكل).

إن المحكمة الدستورية، كما يدل اسمها، هي الهيكل الأسمى الضامن لبقاء الحقوق والحريات على قيد الحياة، وللفصل بين السلط، طبعاً، حسب اجتهاد أعضائها في تأويل النص. شرع مجلس نواب الشعب في انتخاب أربعة أعضاء للمحكمة الدستورية، علّ قبته تشهد تصويتاً قبل الاحتفال بميلاد الدستور، فتفتح الباب أمام المجلس الأعلى للقضاء ورئاسة الجمهورية لاختيار الثمانية أعضاء الباقين.

كل ممارسة للسلطة في غياب المحكمة الدستورية، سواء كانت مصادقة على مشاريع قوانين ومعاهدات أو تطبيقاً لقوانين موجودة أو إصداراً لأحكام قضائية أو أوامر وقرارات حكومية ورئاسية، هي ممارسة تتم في نظام لا تتوفر فيه أسس التوازن بين السلط. تتيح المحكمة الدستورية فرصة إيقاف قرارات وتغيير توجهات السلطات المختلفة، إن خالفت تأويل أعضائها للدستور – في حالة اللجوء إليها، طبعاً.

إن الفرق، الشاسع أحياناً، بين ما يلتزم به الدستور من مبادئ، وما يقترحه من هياكل، مساو، نظرياً، للمسافة التي تفصل الدستور عن التغيير الذي يمكن أن يحدثه في حياة المواطنين والمواطنات. فالمحاكمة العادلة التي يلتزم بها في الفصل 27 لا تتحقق إلا بتواجد قضاء فعّال بكل مكوناته، اللوجستية والبشرية. وحقوق الانتخابات والاقتراع والترشح التي يلتزم بها في الفصل 34 لا يمكن ضمانها إلا بوجود الهيكل المتعهد بها: هيئة الانتخابات. وغيرها. إن تنظيم أبواب الدستور يعكس هذه العلاقة السببية: فالمبادئ العامة والحقوق والحريات تسبق السلط، والتي تترجم في هياكل مختلفة.

يذكر الدستور صراحة 18 هيكلاً يجب إرساؤها لضمان مبادئه العامة والحقوق والحريات التي يلتزم بها. اقترحت قوانين مختلفة هيئات أخرى لضمان حقوق محددة، كهيئة النفاذ إلى المعلومة على سبيل المثال. تختلف وظائف هذه الهيئات باختلاف مجال اختصاصها، دون تناقض في الغاية: تطبيق مبادئ الدستور – الإطار الأسمى المنظم للدولة.

الإسراء في الإرساء

يمرّ إرساء الهياكل بخطوات عدة: صياغة القوانين التي تؤطرها ثم تأويل هذه النصوص القانونية ثم وضع أعضائها ثمّ ممارسة صلاحياتها. إذاً، لا يترك الدستور الخيار في الحقوق والحريات، لكنه يترك حيّزاً كبيراً للاختيار في كيفية إرساء الهياكل الضامنة لها.

إن هيئة الانتخابات والمجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية، هياكل ينصّ عليها الدستور صراحة، وهي متشابهة رغم اختلاف وظائفها ومسار إرسائها.  إن وظائف هذه الهياكل الدستورية الثلاثة محددة في الدستور، والقوانين المؤطرة لعملها موجودة. هي أيضاً هياكل نصّ الدستور على آجال إرسائها، وهي آجال ارتبطت بتنظيم الانتخابات التشريعية الأولى بعد المصادقة على الدستور.

تتجلى إجبارية تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية بعد المصادقة على دستور الجمهورية الثانية في أحكامه الانتقالية، وتم ربطها ضرورة باستكمال إرساء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، دون تجاوز سنة 2014 (الفقرة الثالثة من الفصل 148). إن ربط الاستحقاق الانتخابي باستكمال إرساء الهيئة كان الدافع الأهم لانتخاب أعضائها، وإن أدى ذلك إلى مرونة فادحة في تنقيح الإطار القانوني (نتطرق إليها بشكل مفصّل في مقال متعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات).

ضبط الدستور أيضاً في أحكامه الانتقالية آجالاً تخص إرساء المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة الدستورية: ستة أشهر من تاريخ الانتخابات التشريعية، وسنة، تباعاً. إرساء المؤسستين في هذه الآجال يتضمن صياغة الأطر القانونية وانتخاب أعضائهما، على عكس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والتي كان إطارها القانوني جاهزاً.

لا يخفى على القارئ أنه لم يتم احترام هذه الآجال. فبموفى سنة 2015، لم يكن هناك مجلس أعلى للقضاء ولا محكمة دستورية، بل كان هناك قانون أساسي متعلق بالمحكمة، تمت المصادقة عليه في آخر السنة، ومشروع قانون متعلق بالمجلس الأعلى للقضاء يأبى أن يخرج من تحت قبة المجلس لتعثره دستورياً.

يبدو ظاهرياً أن النسق التشريعي لم يختلف أيضاً عما يخص القوانين الأخرى المتعثرة: فنسب الحضور في المجلس وساعات التأخير لا تعكس اهتماماً صريحاً بالتسريع في المصادقة على القوانين، وإن كانت مربوطة بآجال دستورية. إلا أن السؤال المعاكس مهم أيضاً: لم لا يستجيب النسق التشريعي لأمر الدستور والآجال التي ينص عليها صراحة؟

أثار النسيج السياسي الناتج عن الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2014 الشكوك حول التزامه بمبادئ الدستور منذ انتخابه، وبدى التزامه بإرساء مؤسستين قضائيتين مستقلتين مجانباً لغريزة الهيمنة السياسية. فحين اقترح الدستور هياكل تضمن مبادئه، اختار النسيج السياسي الحاكم، وأعني هنا مؤسسة رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس نواب الشعب، المنبثق من الأحزاب الفائزة في الانتخابات، ألا تكون الهياكل الدستورية الأخرى من أولوياته. إن خرق الآجال المذكورة آنفاً إشارة إلى أنها غير مهمة، وأن النسيج السياسي قد قرر وضع آجاله الخاصة.

“تفسر أحكام الدستور ويؤول بعضها البعض كوحدة منسجمة.” – الفصل 146 من الدستور

ما هي دوافع إرساء الهياكل الدستورية، إن لم تكن احترام الدستور؟

إن إرساء المجلس الأعلى للقضاء يعني نظرياً تفعيل ما يعد به الدستور: “حسن سير القضاء واحترام استقلاله”، أي إشارة الانطلاقة لأن تمارس هذه المؤسسة الصلاحيات التي يحددها الإطار القانوني، والتي تبدأ بتسمية القضاء ونقلتهم وتأديبهم، وغيرها. قُصِد من هذه المؤسسة الحدّ من تدخّل السلطة التنفيذية في القضاء، العامل الأشد تأثيراً على جودة العدالة. إرساء المجلس يعلن أيضاً إنهاء عمل الهيكل الوقتي التي كان يحلّ محله: الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي. حملت هذه الهيئة بعضاً من هواء ما قبل الانتخابات التشريعية، فقد صادق على قانونها المجلس الوطني التأسيسي في ماي 2013، وتم انتخاب جلّ أعضائها من قِبَله أيضاً. لقد تم إيقاف العمل بهذه الهيئة قبل استكمال تركيبة مجلس القضاء العدلي (أحد مكونات المجلس الأعلى للقضاء)، رغم تنصيص الدستور على ذلك.

أوقِفت الهيئة عن العمل ضمنياً منذ نوفمبر 2016، خلال ممارستها لأحد صلاحياتها، عند اقتراحها تسمية قاضيين ساميين، وخاصة عند سدّ شغور منصب الرئيس الأول لمحكمة المحاسبات ومحكمة التعقيب. رُمِيَت الهيئة بأوصاف حكومة مستقيلة – هيئة تصريف أعمال -، ليُفتح الباب أمام “الأخطاء” الفادحة في تأويل الدستور والنصوص القانونية. نتج عن هذا التأويل المنحرف ما عُرف بتعطّل إرساء المجلس الأعلى للقضاء، لينتج عنه تنقيح للنص القانوني المنظّم له (وهو ما نبحر فيه في مقال قادم).

إن إرساء المحكمة الدستورية يعني نظرياً حماية الشعب من خروقات المشرع والمنفّذ والحَكَم، للدستور، عن طريق ممارسة صلاحياتها التي تبدأ بمراقبة دستورية مشاريع القوانين لتصل إلى عزل رئيس الجمهورية. وهو أيضاً إنهاء لعمل الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، وهي الهيكل المؤقت الذي نصّ الدستور على إحداثه في أحكامه الانتقالية. تمارس هذه الهيئة إحدى صلاحيات المحكمة الدستورية، وتمكّن نوّاب الشعب من الطعن في عدم دستورية مشاريع القوانين التي تخرج من السلطة التشريعية. حدد الدستور آجال إرساء هذه الهيئة: ثلاثة أشهر بعد ختم الدستور. استجاب المجلس الوطني التأسيسي لأحكام الدستور وصادق على قانون الهيئة في 18 أفريل 2014. نَفَسُ ما قبل انتخابات 2014 نُفِخ أيضاً في أعضاء هذه الهيئة. تأتي عضوية ثلاثة منهم بالصفة (الرئيس الأول لمحكمة التعقيب ومحكمة المحاسبات والمحكمة الإدارية)، وسميّ الثلاثة الآخرون بتعيين من رئيس المجلس الوطني التأسيسي ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، تباعاً. صدرت تسمية الأعضاء الثلاثة في 24 أفريل 2014، أي ثلاثة أيام قبل انقضاء الآجال الدستورية.

لم تزل هذه الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين تنظر في دستورية مشاريع القوانين عند الطعن فيها، وإن بدأت ملامح “تسييرها للأعمال” تتجلى.

إن افترضنا – بكل جنون – أن القانون المنظّم للمحكمة الدستورية قد يُعَدّل، فمن سينظر في دستورية تعديله إن أضحت هذه الهيئة، بين ليلة وضحاها، هيئة تسيير أعمال كشقيقتها المؤقتة؟

إن افترضنا – بكل عقلانية – أن المحكمة الدستورية سيتمّ إرساؤها دون عراقيل قانونية، فمن هم أعضاؤها؟ هل سينفخون الروح في مداد الدستور، أم سيدفنون كلماته بين الصفحات؟

إن افترضنا – بكل موضوعية – أن أعضاء المحكمة الدستورية من أجود النافخين والنافخات، فهل سيتمتعون بالإمكانيات اللازمة لإبقاء حقوق وحريات الجميع على قيد الحياة؟