Barr al Aman

عبير موسي : عن الحنين لذكرى النظام ..القديم؟

عبير موسي مترشحة لرئاسة الجمهورية. محمد سليم بن يوسف, طالب دوكتوراه في العلوم السياسية في جامعة اكس الفرنسية, يقدم لنا قراءة في شخصية و تاريخ المترشح. 

“مرشحة النظام القديم” ، “شخصية ذات نفس شعبوي و ماضوي”، تجمّع رئيسة الحزب الدستوري الحر مجموعة مختلفة من النعوت. لكن كل هذه الانطباعات تستند إلى فكرة واضحة و بسيطة : إذ أن عبير موسي تداعب لدى الكثيرين نوستالجيا نظام بن علي. و لكن بعيدا عن ما رسخ من هذه الأفكار العامة، تحمل عبير موسي شيئا ما ،لا يمكن الاطلاع على جوهره إلا بفهم شامل لموقعها الاجتماعي و مسارها السياسي. و سنحاول من خلال هذا العرض الاطلاع بعجالة عمّا يمكننا من فهم علاقتها بالسلطة،في قراءة لمصادر رصيدها السياسي و تموقعها الحالي إزاء الثورة.

عبير موسي مرشحة “النظام”؟

لا يتورع عدد من المتنافسين إلى قصر قرطاج عن رفع شعار “هيبة الدولة” و تعزيز سلطتها ،و لا تعوزنا الأمثلة حول ذلك: فعبد الكريم الزبيدي و مناصروه يعلنون عزمهم على القطع مع “الانخرامات” التي مسّت من قدرة الدولة على فرض سلطتها. كما يطرح مهدي جمعة بدوره نفس هذا الفكر كسبيل إلى تحقيق الإصلاحات. و يناقش مرشحون آخرون هذا المفهوم عبر طرح مختلف و من بينهم على الأخص محمد عبو الذي يربط قوة الدولة بقدرتها على الحد من ظاهرة الإفلات من العقاب و مكافحة الفساد. مما جعل هذه الفكرة تُطرح بأوجه مختلفة و حسب الخلفية السياسية لكلّ مرشح.

ان فكرة سلطة الدولة كانت -و لاتزال- تمثل عنصرا جوهريا في خطاب عبير موسي السياسي

و لم تكن تخرج المرشحة نشازا عن هذا التوجه، إذ ان فكرة سلطة الدولة كانت -و لاتزال- تمثل عنصرا جوهريا في خطابها السياسي. فهي أصيلة “جمال” المدينة الصغيرة التابعة لولاية المنستير في منطقة الساحل ، ونشأت في مناخ يطغى عليه الارتباط القوي بالمؤسسات و السلطة. اشتغل والدها في الأمن الوطني وعملت والدتها كمدرّسة. و يوحي ما تناهى إلينا من معلومات عن فترة دراستها بانضباطها التام في مسيرتيها التلمذية و الطلابية و الحزبية. وتذكرنا مسيرتها الجامعية في مجال القانون بالتحليل الذي ذكره “مايكل بشير العياري”، الباحث في العلوم السياسية عن النخب الدولتية أصيلة الساحل. فهو يشير إلى أن هذه النخب ثنائية اللغة و المتمدرسة جيدا، و الحاملة لنظرة موروثة عن المجتمع، تتمكن بيُسر من الحصول على موقع في دولة الاستقلال و الوصول إلى مراكز القرار. و بعد حصولها على شهادة الكفاءة في مهنة المحاماة كالأولى على الدفعة فإن مسارها التقليدي هذا كان شبيها جدا بشق واسع من نخبة الدولة التونسية المعاصرة. فالدمج بين مسارها المهني و خطابها حول الدولة البورقيبية كان عنصر القوة لمشروعها السياسي.

أثر المحاماة في المسيرة السياسية للمرشحة

تعدّ مسألة الرصيد السياسي عنصرا مهما في التحليل، فهي التي تمكّن من فهم قدرات المترشحين و المترشحات و تمييز ما لهم من خصال مقارنة بالبقية. فعبير موسي فصيحة تدقن فن الكلام. و تعود قدرتها الخطابية التي تظهر في منازلاتها الإعلامية إلى عنصرين رئيسيين: مسيرتها السياسية الخاصة و مهنتها كمحامية. للمترشحة تاريخ سياسي مخضرم لا يقتصر على الأمس القريب. فقد كانت أمينة عامة مساعدة مكلّفة بشؤون المرأة في حزب التجمع المنحل بداية من 12 جانفي 2010 وكذلك مساعدة لرئيس بلدية أريانة و عضوة في المنتدى الوطني للمحامين التجمعيين.

لا تفوت المترشحة أية مناسبة للإشارة الى الاشكال: الخلل السياسي الرئيسd هو “منظومة 14 جانفي”, هذا المنعرج الخاطئ في مسار التاريخي للدولة التونسية المعاصرة. أما الحل, فهو عبير.

كانت اذا علاقتها بالحياة السياسية والخطاب العام وثيقة جدا. وقد قامت بتوظيف هذه القدرة اللغوية عبر إستراتيجية تواصلية متفردة أعطتها “أسلوبا” خاصّا. أما عن مرتكزات هذه الاستراتيجيا الخطابية فهي بسيطة للغاية، إذ لا تفوت المترشحة أية مناسبة للإشارة الى الاشكال: الخلل السياسي الرئيس هو “منظومة 14 جانفي”, هذا المنعرج الخاطئ في مسار التاريخي للدولة التونسية المعاصرة. أما الحل و البديل لهذه المنظومة  الذي تروّج له فينبع من ” شخصها” لأنها لم تكن منخرطة يوما في هذا النظام الجديد و هي فضلا عن ذلك الوريث الوفي للدولة البورقيبية.

عبير موسي و الثورة ، عبير موسي و الحزب

لا يمكن تفسير تموقع عبير موسي الحالي إزاء الثورة دون العودة إلى ماضيها السابق في التجمع الدستوري الديمقراطي و هو ماض قد أثر عميقا في مسارها السياسي و قراءتها للحدث الثوري. لقد تمّ تعيين عبير موسي كأمينة عامة مساعدة مكلفة بالمرأة في التجمع المنحل، قبل حوالي سنة من 14 جانفي 2011.

نظريا كان هذا التعيين مبشرا بمستقبل سياسي واعد، إذ كانت المترشحة جزءا من النخبة السياسية الشابة للحزب السلطوي الحاكم و شرعت رويدا في تسلّق درجات السلطة. لكن أتى يوم 14 جانفي ليكون منعرجا حاسما في مسارها السياسي، كقطع عام مع هذه الأحلام و حدث مساهم إلى حد كبير في بعثرة أوراق طموحاتها السياسية. هذا ما قد يفسر لنا ما يمكن اعتباره انسجاما في المواقف، ما قبل و ما بعد يوم 14 جانفي. فبعد أشهر قليلة من الثورة، قامت عبير موسي بالدفاع عن حزبها داخل ردهات المحاكم، ضد المسار العام للأحداث وكانت لها جرأة التعبير عن انتمائها التجمعي. و في زمن عزّ فيه المدافعون عن النظام القديم لثمنه السياسي الباهض، قد يكون لهذا التصرف تفسيرات مختلفة: هل هو الدفاع عن امتيازات في طريقها نحو الزوال؟ أو الاقتناع السياسي الأعمى؟ أم هي استراتيجيا للبحث عن الشرعيّة في سياق كان البحث فيه عنها مغامرة غير محسوبة؟ أو ربما كل هذه العناصر مجتمعة.

 

الترجمة الى العربية: خير الدين باشا

Mohamed Slim Ben Youssef

Add comment

خمسة × ثلاثة =