Barr al Aman

بذورنا عنوان سيادتنا

التأمت خلال أيام السابع والثامن من سبتمبر المنقضي الدورة الخامسة من مهرجان البذور الأصيلة  بواحة شنني. يعدّ هذا الحدث مناسبة للقاء بين الفلاحين خارج الأطر الرسمية، و لكنه يعتبر كذلك لبنة مهمة في اتجاه استحداث منوال فلاحي بديل.

بريق من الفرحة يتلألأ في أعين الفلاحين المشاركين في مهرجان البذور الفلاحية الأصيلة الذي تنظمه الجمعية التونسية للفلاحة المستدامة في واحة شنني الواقعة في ضواحي مدينة قابس خلال يومي السابع و الثامن من سبتمبر. يحرس هؤلاء الفلاحون البذور المحلية المتوارثة أبا عن جد كمن يحرس جذوة نار مقدسة و يولونها أقصى ما يملكون من العناية، إذ أن هذه البذور حصيلة قرون من العمل المتواصل و من التأقلم مع الأرض و المناخ التونسيين، و هي اليوم تجابه خطر إزاحتها الكلية من يدي الفلاحين بسبب سيطرة البذور التجارية المعدة للفلاحة الصناعية المكثفة على السوق. 

“كثيرا ما نعتوني بالمجنون”

من بين الأربع وعشرين مستغلا فلاحيا الذين قدموا إلى شنني، لم يكن السواد الأعظم من الحاضرين ينتمي إلى قدامى الفلاحين الذين حافظوا على بذور الأجداد التي كانوا يستعملونها أيام شبابهم. بل على العكس من ذلك فإن أغلبية المشاركين هم ممن انخرط في هذا النشاط خلال السنوات الأخيرة. وعدد منهم هم من أبناء الفلاحين الذين انقطعوا عن النشاط الفلاحي أو من الفلاحين الجدد، غير أن جميعهم يشتركون في نفس الفكرة، و هي استحداث منوال فلاحي جديد يعطي معنى لوجودهم. جميعهم استجلب نفس ردة الفعل من محيطم حينما افصحوا عن أفكارهم” ظن الجميع انني أصبت بالجنون””.

“أخذت ثلاثة هكتارات من أراضي العائلة لمباشرة تجربتي الخاصّة في الفلاحة المستدامة” يقول رضوان التيس، وهو فلاح من منطقة وادي الخيل بين ولايتي مدنين و تطاوين. “هدفنا هو تطوير البلاد و تنميتها، و تغيير فلاحة هذه الأرض بطريقة نتحاشى معها استعمال المواد الكيميائية، القضية مرتبطة بالصحة العامة”.

يروي الغديري بومدين، أحد فلاحي منطقة سيدي سالم بجنوب قابس قصة مشابهة حيث يقول: “إننا نحس بالاغتراب في هذه المنطقة، إذ ان جيراننا من الفلاحين لا يتورّعون عن استعمال المبيدات و البذور الهجينة التي تساهم في إفقاد هذه الأرض ما تمتلكه من خصوبة، فضلا عن الري المكثف الذي يحتوي على كمية من النيترات التي قد تتسرب إلى الموائد المائية. نحن نسعى إلى الحفاظ على خصوبة الأرض و التقليل قدر الإمكان من حاجتها إلى المياه، فمع التغييرات المناخية لم نعد نملك الكثير من الخيارات. للأسف، فإن الكثير من الفلاحين اليوم لا يزالون يعتقدون أن المبيدات الحشرية ضرورية لضمان الإنتاجية و انه لا يمكن التخلي عنها، متناسين بذلك عادات أجدادنا القديمة في العمل الفلاحي”.

اني على ثقة تامة بأنهم في قادم السنوات سيلاحظون الفارق المسجّل و سيقلدون تجربتي هذه بكلّ تأكيد

لقد فكّر رضوان التيس على سبيل المثال في مجموعة كاملة من التقنيات لزراعة الأشجار المثمرة، و الزياتين و التين أو حتى الأشجار التي تنبت في المناطق الاستوائية أو المدارية مثل الأفوكادو والبابايا ، يقول في هذا الصدد بأنه وزّع العملية السقوية بكيفية تجعل من النباتات أكثر تكيفا و مقاومة لطبيعة المناخ الجاف في المنطقة. ف”لحماية هذه الأشجار قمت باستعمال مستحضرات من الفلفل الأحمر و الثوم أو من أوراق “النيم” و هي الشجرة الوحيدة التي لا يستطيع الجراد مهاجمتها. لعل جيراني الآن يكتفون بمراقبة الأمر و انتظار النتيجة. و لكني على ثقة تامة بأنهم في قادم السنوات سيلاحظون الفارق المسجّل و سيقلدون تجربتي هذه بكلّ تأكيد”.

ضد التيّار

لقد فتحت الفلاحة المستدامة و الاستعمال الجديد للبذور الفلاحية نهجا جديدا في العمل الفلاحي معاكسا للنهج السائد الذي يشهده التطور الحالي في هذا القطاع. إن المقاربة الشائعة تتمثل في فلاحة الاحادية الموجهة للتصدير، و خصوصا منها الزياتين التي تشهد الأنواع التونسية الأصيلة بسببها انتكاسة مقارنة بالمشاتل القادمة من إسبانيا و إيطاليا. فهذه الأنواع الأخيرة أكثر إنتاجية بالطبع ولكنها تستهلك كميات كبيرة من المياه و تعطي مردوديتها القصوى خلال خمس و عشرين سنة فقط، في حين تكتفي الأنواع التونسية بكميات قليلة من المياه و تستمرّ في الإنتاج لعقود من الزمن.
“إن معظم المستغلين الجدد في هذا الميدان من الشركات الفلاحيّة، أو بعض المستثمرين الذين يقومون بتبييض أموالهم من عبر هذا القطاع و يحصلون تبعا لذلك على دعم من البنوك و الدولة.” و يشتكي منير الغديري بأنه “إن لم يتم الالتجاء إلى الفلاحة الاحادية أو الأصناف المستوردة فإنه من المستحيل الحصول على دعم من الدولة”.

لا يزال يُنظر إلى استعمال البذور المحليّة كمنهج غير مجد في العمل الفلاحي. غير أن” نبيل بن مرزوق” يُفنّد هذا الرأي مستندا إلى تجربته مع البذور المحلية للقمح الصلب، الذي تم إهماله لعقود من الزمن لصالح القمح اللين الذي يستعمل في صناعة الخبز العادي.

“صحيح أن قمحنا لا ينتج سوى 9 قنطارات للهكتار الواحد في حين أن القمح المستورد يمكن أن يتجاوز في إنتاجه الستين قنطارا في مساحة مماثلة. و لكننا إذا طرحنا كلفة العمل و المواد الكيميائية و اذا فرضنا ان الدولة ستشتري القمح اللين ب65 دينارا للقنطار. فان القمح الصلب المحلي الذي يتم تثمينه مربح أكثر اذ يصل سعره في بعض الحالات الى 250 دينار”.

لا يزال يُنظر إلى استعمال البذور المحليّة كمنهج غير مجد في العمل الفلاحي

ان النقطة الأهم بالنسبة لهذا الانموذج و الشرط الكفيل بتعميمه هذا حتما التوزيع. فبسبب نقص الموارد، تبقى الكميات المنتجة ضعيفة جدا. و مسالك التوزيع التقليدية لا تتلاءم مع هذا الإنتاج المحدود من حيث الكم و الأغلى حاليا من حيث السعر. لذلك يتم “التعويل على على المغازات المتخصصة في منتجات الفلاحة البيولوجية و التجارة الإلكترونية و النقل إلى المنازل” كما يفسر غديري بومدين. 

تعتقد ندى الطريقي وهي عضو مؤسس سابق لمرصد السيادة الغذائية و البيئة بأن “التحجج بايرادات العملة الصعبة لتعليل التوجه نحو الفلاحة الاحادية المكثفة لا يستقيم. ففي هذا المنوال الفلاحي، كل المنتجات المرتبطة بهذا الصنف من الفلاحة تستورد بأثمان عالية ، من المشاتل إلى البذور و المدخلات و غيرها مما يؤثر سلبا على الميزان التجاري”

كما أن البلاد التونسية التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على التصدير، ملزمة بانفاذ و الالتزام بالاتفاقيات الدوليّة خصوصا منها المتعلقة بحماية الملكية الفكريّة التي تضع حواجز امام استعمال البذور الأصيلة.

الجزء المرئي من كلّ أكبر

رغم تلك الحواجز فإن استعمال البذور الأصليّة يتطوّر بسرعة بفضل جهود الجمعية التونسية للفلاحة المستدامة. و يعد مهرجان البذور الاصيلة مناسبة هامّة لتبادل أنواع البذور بين الفلاحين و قياس النتائج التي تم التوصّل إليها من سنة لأخرى. و لكن هذه البادرة التي يلتقي فيها المنتج بالمستهلك ليست إلّا الجزؤ المرئي من المجهود التي تبذله الجمعية. لقد شرعت الجمعيّة في لم شمل و التشبيك بين الفلاحين المحافضين على البذور الأصيلة و السعي الى خلق مسالك للتوزيع. كما قامت بالعمل على إحداث تراخيص تضمن استمرارية هذه البذور و احترام القواعد المعتمدة في الفلاحة البيولوجية، الى جانب تحسيس و توعية السلط العمومية بأهمية هذا المحور. توج هذا العمل الدؤوب بتوقيع اتفاقية في هذا الصدد مع وزارة الفلاحة لإدخال مناهج الفلاحة المستدامة ضمن الورشات التكوينية في المجال الفلاحي التي تسهر على تنفيذها مصالح الدولة. 

و بإزاء منوال فلاحي مبني على الفلاحة الأحادية الموجهة للتصدير و المكلفة من ناحية العملة الصعبة و المستنزفة للأراضي و المياه  و المتسببة في التأثيرات الصحية السلبية و ترسيخ التبعية التونسية للمجال الدولي، يتم تأصيل استعمال البذور الأصيلة ضمن مقاربة مختلفة للفلاحة، تدعم مقولة نبيل نرزوق بأنّ “بذورنا هي عنوان سيادتنا”.

 

الترجمة الى العربية. خير الدين الباشا

Add comment

18 − 8 =