Barr al Aman

بلدية بلطة بوعوان (ولاية جندوبة): المسالك الريفية: أوّل امتحان السلطة المحلية

بلدية “بلطة بوعوان” هي إحدى البلديات الفتية من ولاية جندوبة التي تتجاوز مدة إحداثها السنتين من العمر بقليل. موقعها المحاذي لجبال “خمير” يمنحها إطلالة مميزة على جزء هام من المجال الغابي لسلسلة جبال” الأطلس التلي” و انفتاحا على عدد من المراكز الحضرية المجاورة ك”فرنانة” و “عين دراهم”. غير أن هذا لا ينفي حقيقة وقوعها على هامش مجال التنمية من هذه الولاية التي تعاني أصلا من عديد الإشكالات على مستوى إعادة الهيكلة المستمرة لكامل أجزاء المشهد الحضري و الريفي بها.

كان التعمير السكني لمنطقة “بلطة-بوعوان” نتيجة لسياسة توسيع المجال الزراعي بمناطق ولاية “جندوبة ” و لضمان استقرار السكان بالمناطق الإستراتيجية من الولاية. فجذور التعمير إذن كانت منذ الفترة الاستعمارية التي أجبرت عددا من القبائل الضاربة في المنطقة زمن الدولة الحسينية على الاستقرار و مراقبة المجال الغابي المجاور ثم أخذت شكلا آخر من التنظيم مع دولة الاستقلال التي انتهجت في سنواتها الأولى خاصة سياسة توسيع المساحات الزراعية على حساب الغابات المحاذية بهدف أكبر استغلال للمساحة الموجودة، لكن منذ ذلك الوقت بدأت المنطقة تشهد أكثر الإشكاليات إلحاحا بالنسبة للمتساكنين: مشكلة تهيئة المسالك الريفية.

لا غَرْوَ في أن المسالك الغابية و الريفية هي أحد شرايين الحياة الرئيسية في المنطقة التي يتوزع نشاط سكانها الفلاحي خاصة بين استغلال المحاصيل التي تجود بها المناطق الغابية كالفلين و الصنوبر من جهة و النشاط الزراعي من جهة أخرى، لكن قلة العناية المتواصلة لها و ابتعادها عن نمط تهيأة محكم جعل منها إشكالا مستمرا و مزعجا. مشاهد الدواب الغارقة في الأوحال من المشاهد المتواترة في ضواحي البلدة كما مشاهد بعض السيارات الخفيفة التي تواجه الأمرين لإيجاد طريق سالكة للتنقل… فطبيعة المنطقة الواقعة على سفوح الجبال جعلت هذه المسالك متسببة في عدد هام من الانزلاقات بسبب سرعة هطول الأمطار على الجبال بشكل يفوق قدرة السواقي الموازية لهذه المسالك على الاستيعاب مما ينتج عنه تشبع هذه المسالك بالمياه و استحالة سلوكها أثناء المواسم الممطرة.

فهذه المسالك تتطلب تعهدا مستمرا و تهيئة خاصة تتناسب مع الأهداف التي أوجدت لها مما يستدعي استعمالا مختلفا للتقنيات الموجودة. يخبرنا السيد صلاح الفرشيشي رئيس بلدية “بلطة-بوعوان بمرارة عن هذا الإشكال قائلا : ” إن بلديتنا هي أكثر بلديات ولاية جندوبة تضررا من سوء المسالك الريفية و هذا ما عاينته سلطة الإشراف عديد المرات..فمن بين 3 ملايين دينار مخصصة للبنية التحتية في ميزانية البلدية لسنة 2019 تم تخصيص أكثر من مليون و 700 ألف دينار لمعالجة مشكلة المسالك الغابية.”

لكن لأي مقاربة ستخضع هذه المعالجة؟ هل سيتم إيلاء العناية بالمسالك الرئيسية أو تلك التي تربط بين المشاريع المحدثة على حساب بقية المسالك الموجودة و التي تبقى هي الأخرى مهمة من جهة دورها التواصلي ؟ هل ستكون هذه المعالجة مهددة للثروة الغابية و التوازن البيئي الموجود؟ إلى أي مدى ستتحقق الصيانة الدورية و المستمرة لهذه المسالك؟ كل هذه الأسئلة و غيرها ستكون على طاولة النقاش للمجلس البلدي الجديد الذي سيسعى حتما إلى تمحيص مختلف الآراء حول هذا الموضوع.

سبق و أن أسلفنا القول حول الطابع الفلاحي لبلدية “بلطة-بوعوان” التي تعد حوالي 30 ألف ساكن و المتوزعة على 260 كيلومترا مربعا، غير أن جزءا من هذه الفلاحة يبقى ضمن دائرة الفلاحة التقليدية التي تتطلب جهودا تحديثية بغرض تعصيرها و إيجاد عديد المسالك الترويجية لها. و لعل مشروع التنمية المندمجة الذي تم إقراره منذ فترة النيابة الخصوصية قد يكون بوابة جيدة لإحداث نسق مهم في هذا الاتجاه حيث تم تخصيص قرابة 500 مليون دينار لإحداث منطقة سقوية جديدة و مليون و 700 ألف دينار لإنشاء سوق جديدة تستوعب منتجات المنطقة الفلاحية. لكن الاقتصار على القطاع الفلاحي دون غيره يبقى من أوجه القصور في المنوال التنموي مع عجز هذا القطاع عن استيعاب اليد العاملة المتخصصة التي يزداد عددها يوما بعد يوم..

فهذه المنطقة الفلاحية كانت و إلى زمن غير بعيد حاضنة لعدد من الأنشطة الاقتصادية المختلفة خصوصا الصناعية منها، فمنجم بوعوان الذي بدأ استغلاله منذ الفترة الاستعمارية قد توقف عن العمل بسبب نفاذ مخزونه المنجمي، كما أن معمل الملابس المستعملة في بلطة الذي تم نهبه في سنة 2011 في حاجة ماسة إلى الصيانة لإعادة التشغيل و هناك مجهود من المجلس البلدي في استقطاب عدد من الخواص خصوصا في قطاعات الكوابل الكهربائية و النسيج. لكن يبدو أن هذا العمل يتجاوز جهد البلدية نفسها و يتطلب كذلك تدخلا من المجلس الجهوي.

فإشكالية منطقة بلطة التنموية هي نتاج لسياسات متعاقبة في مجال التنمية الحضرية و ربما لا نبالغ في القول بأن هذه المنطقة شهدت نمطا مفرطا من تدخل المركزية في نمط التهيئة الحضرية و التأثير في كافة مكونات المجال مما أعاق ارتباط هذه البلدية بمختلف المدن المجاورة و ما توفره من إمكانات حقيقية لتنويع الأنشطة الاقتصادية على غرار الارتباط بالنشاط السياحي في طبرقة و عين دراهم القريبتين. لعل إرساء اللامركزية اليوم بشكلها الصحيح قد يفتح المجال لإعادة التفكير في الإمكانات الجديدة للعمادات الإحدى عشر للمنطقة (و التي من المزمع أن تحدث دوائر بلدية بها)  مع قربها من الطريق السيارة للشمال الغربي و ما يحمله من آفاق.

Khayreddine Bacha

Add comment

ثمانية عشر + سبعة عشر =