Barr al Aman - بر الامان
المداولات البرلمانية في 1987 حول قانون التصريح على المكاسب

المداولات البرلمانية في 1987 حول قانون التصريح على المكاسب

هذا المقال مقتطف من التقرير التالي: https://news.barralaman.tn/ar-rapport-declaration-patrimoine/

[1]  للاطلاع على المداولات

من حيث الشكل، استُهلّت الجلسة بعرض أعمال اللجان، ثم تم فتح الباب للنقاش. حيث قام خمسة أعضاء بتقديم مداخلات سبقت التصويت على هذا القانون. مثّل محمد صالح العياري، وزير العدل، الحكومة خلال هذه الجلسة. وبدون أية مفاجآت تذكر وقع التصويت بالإجماع على مشروع القانون فصلا فصلا ثمّ على مشروع القانون برمتّه.

عرض أعمال اللجان في خصوص هذا القانون

تبين المداولات التي حصلت في مجلس النواب حينذاك أن هذا القانون قد وُضع من أجل إرساء الشفافية والحفاظ على الأموال العامة. بالإضافة إلى ذلك، فإن طريقة التصريح التي تم اختيارها تستند إلى “أخلاقيات ومهنية” الأشخاص الذين يتحملون مسؤوليات داخل الدولة أكثر منها إلى آليات موضوعية للرقابة، لأنها إعلان عن الشرف، لا أكثر. ويتم ذلك بشكل تلقائي. وطوال المناقشات، كانت المداخلات المرتكزة على الخطاب الأخلاقي والديني هي الطاغية. كما عبّر أحد النواب أن المشرّع يعوّل أكثر على أخلاقيات موظفي الدولة، لا على الأدوات الزجرية لذلك لم يتضمنها القانون. إثر ذلك قامت لجنتين بدراسة هذا المشروع، بعد جولات من الأخذ والردّ بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. وكانت أكثر الملاحظات أهمية قد أتت من لجنة التشريع العام.

أبرز الأسئلة والنقاط التي أثارتها اللجنة
  • هل سيطالب المسؤول الى جانب التصريح بالمكاسب بالإدلاء بما يفيد تسوية وضعيته الجبائية؟
  • وسائل المراقبة خلال مدة تحمل المسؤولية؛
  • ضرورة تضمن هذا المشروع لإجراءات عملية واضحة وأساليب رقابة حقيقية لمقاومة كل مظاهر التسيب والرشوة وضمان سلامة مكتسبات المجموعة الوطنية؛
  • تأثير عدم التصريح أو المغالطة في قرار التسمية.
مقترحات اللجنة
  • إضافة فصل جديد ينص على تطبيق هذا القانون بمفعول رجعي حتى يشمل كل المعنيين بالمسؤوليات المشمولة بنقاط تطبيقه والذين تحملوا مسؤولياتهم قبل صدوره؛
  • إخضاع كل مسؤول له سلطة وصلاحيات الى نطاق تطبيق هذا النص وخاصة رؤساء مناطق الحرس والأمن الوطني وأعوان الجمارك والمالية والجباية وغيرهم لما لهم من سلطة هامة في نطاق مسؤولياتهم؛
  • النتائج التي تترتب عن واجب التصريح؛
  • وسائل مراقبة وصحة التصريح وكيفية المؤاخذة بالمغالطات الحاصلة؛
  • دور دائرة المحاسبات والمحاكم في هذا المجال إلخ؛
  • التأكيد على سرية التصاريح.
المداولات

تطرق النواب في ثلاث مناسبات أيضا إلى خطر القوى السياسية “من المتدينين من اليمين المتطرف” واليسار المتطرف” الذين “ينفثون سمومهم” بالاستفادة من حالة الضعف التي تمر بها الدولة. إن هذه الأحزاب “ليست وصية على الأخلاق والإدارة الجيدة”، كما ورد على لسان ممثل منتخب عن الحزب الاشتراكي الدستوري الذي كان يعتقد أن حزبه قد أثبت مصداقيته منذ الاستقلال.

وعلاوة على ذلك، فإن إصرار بعض النواب لإضفاء مفعول رجعي للقانون قد يمثل دليلا على نية الانتقام من المسؤولين السابقين للبلاد وليس بالضرورة “الفاسدين”.

وقد اعتبر أحد النواب أن الإقامات الطويلة لبعض المسؤولين السابقين في الخارج من جهة، وامتلاك أموال بالعملة الصعبة هناك دليل على الإثراء غير المشروع الذي حصلوا عليه عبر مواقعهم في أجهزة الدولة. كان هذا النائب يلمح بطرف خفي إلى شخص إدريس قيقة، وزير الداخلية السابق في خضم أحداث الخبز سنة 1984، والذي هرب من المثول أمام محكمة أمن الدولة بتهمة الخيانة العظمى والتجأ إلى لندن ثم حكم عليه في نهاية المطاف بالسجن لمدة 10 سنوات غيابيا. إذ أن مجمل هذه الأملاك قد أتت ضرورة بطرق غير مشروعة حسب النائب محمد صلاح مومني.

واتفق النواب رزق الله، رضا رضوان ومصطفى مصمودي وعزوز الرباعي على أن “هذا النص رمزي (…) وذو هدف نفسي وسياسي أكثر منه كنص أو إجراء وقائي قانوني”.

وعلى سبيل الافتخار بنموذج الحكم التونسي منذ الاستقلال، قال عزوز الرباعي أنه “حتى الوزراء الذين حوكموا منذ الاستقلال، أو حتى سجنوا، فإنه لم يقع اتهام أي منهم بالفساد أو الإثراء غير الشرعي”. مما يعني ضمنيا أن الدوافع كانت سياسية بالأساس.

وفيما يتعلق بجوهر الموضوع، كشف نواب الشعب آنذاك بشكل مباشر نقاط الضعف في القانون حيث:
  • لا توجد أدوات للتثبت من دقة التصاريح في وقت الإيداع؛
  • عدم وجود أدوات للرصد المستمر لموظفي القطاع العام، ولا سيما كبار موظفي الدولة والاكتفاء بالتصريح الإرادي؛
  • عدم وجود إجراءات زجرية واضحة ومحددة لتطبيق القانون ويكتفي القانون بالإشارة إلى نصوص قانونية أخرى؛
  • ضرورة التأكد من صحة التصريحات.

اقترح النائب عربي عزوز أيضا إدراج النواب في قائمة الأشخاص الخاضعين للتصريح بالمكاسب فبداية عهدتهم النيابية وفي نهايتها. ووفقا له، فإن الهدف من ذلك هو تعزيز ثقة المواطنين في ممثليهم. (وردا على ذلك، قال الوزير ان النواب لديهم وظائف قصيرة الأجل وأن وظائفهم لا تسمح لهم بأن يكونوا موضع شبهة). وفقا للنائب، “يجب تمييز هذا القانون عن القوانين الأخرى المماثلة، بحيث لا يكون التصريح شكليّا يقوم به المسؤول عندما يتسلم منصبه ليتذكره مجددا في نهاية مهمته”. فوفقا للنائب عزوز الرباعي، لا يؤثر التصريح بالمكاسب على الحريات الفردية إذ أن أولئك الذين لا يريدون أن يصرحوا هم غير ملزمين بقبول مناصب في الدولة. أما التدخل الأخير في البرلمان فكان للنائب الحبيب الخوني ولعل ما تكرر في خطابه آنذاك يعكس ضرورة لازالت قائمة إلى اليوم وهي النجاعة في تطبيق القوانين الجارية.

“إن تطبيق القانون أكثر أهمية من القانون في حدّ ذاته”. فوفقا للخوني، تم وضع ترسانة تشريعية بشكل جيد في هذا المجال، ولكن لم يتم تفعيلها. وقد اختتم النقاش بهذه المقولة التي لا تزال تجد لها أثرا إلى اليوم: “أدعو إلى تطبيق القانون، وليس من المهم في رأيي أن نشرع لقوانين أخرى.”

رد وزير العدل محمد صالح العياري

استهل الوزير مداخلته بالتركيز على الجانب الوقائي (صبغة وقائية تحفظية) التي ترتكز على الضمير (الضمير القومي). ثم أشار أيضا إلى “الجانب الأخلاقي وغير القسري” من هذا القانون، مبررا ذلك بوجود جهاز قانوني كاف تجسده دائرة الزجر المالي والنصوص الجزائية (المواد 96-99)[2] من المجلة الجزائية.

أشار وزير العدل إلى أن الشخص الذي لم يصرّح أثناء وجوده في وظيفة تتطلب التصريح بالمكاسب، يجوز إبعاده عن منصبه و/أو حرمانه من الوظيفة المتصلة بالتصريح. أما بالنسبة لأولئك الذين لا يجددون إعلانهم، فيجب أن يخضعوا لتدقيق مالي[3].

ويجيب الوزير العياري عن أسئلة النواب بشأن مراقبة صحة التصاريح، فيعلن أنه “سيسند لدائرة المحاسبات بمقتضى أمر ما يهم عدم صدق التصريح الذي سيراقب من طرفها.”

وكان هناك إعلان مرتجل لم يُسبق ذكره في مجلس الوزراء، حسب رشيد صفر، بصفته الوزير الأول آنذاك. (انظر أعلاه).

وفي حالة المقاضاة الجنائية بسبب التصريح المغلوط أو الإثراء غير المشروع، تكون العقوبة السجن لمدة 10 سنوات، مثلها مثل القضايا الجنائية، وليس 4 سنوات كما هو الحال بالنسبة للقضايا التي تتعلق بالتصاريح الضريبية.

التصويت

تم التصويت بالإجماع، فصلا فصلا، ثمّ على مشروع القانون ككل. ولم تقع اضافة أي تغييرات ملحوظة ما عدا توضيح الوزير بأن القانون يشمل أيضا المسؤولين في الهياكل الجهوية وليس المسؤولين في الإدارات المركزية فحسب.


 

[1]عدد 25 العائد ليوم الثلاثاء 7 افريل 1987، http://arp.tn/site/debat/AR/fiche_deb.jsp?cd=69274

[2] القسم الثالث – في الاختلاس من قبل الموظفين العموميين أو أشباههم

http://www.legislation.tn/affich-code/Code-pénal__89

[3] مثلما قلنا أعلاه، لم تتم معاقبة أي شخص لم يصرح عند بداية أو نهاية وظيفته. كما لم تتم مراقبة صحة المعطيات المصرح بها طيلة الثلاثين سنة التي تم خلالها تطبيق هذا القانون.

Add comment

1 + 3 =