Barr al Aman

التفويت في الأراضي للأجانب: عاد إليكم من جديد؟ 

“هنشير النفيضة” و قصة تفويت الدولة التونسية في هذا العقار الفلاحي الضخم لصالح شركة مارسيليا للقروض للتعويض عن الديون المتخلدة في ذمتها طبعت الوجدان الجماعي و تمركزت في الذاكرة كنقطة البداية في مسار الاستعمار الفرنسي للبلاد التونسية. و منذ الجلاء الزراعي في عام 1964، بقيت مسألة تملك الأجانب للأراضي الفلاحية هاجسا يحير الشعب و الفلاحين و النخبة السياسية.

ورد على لجنة الفلاحة مؤخرا مشروع  قانون حكومي يتعلق بتحفيز الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال ينص على تمكين الشركات -التي يمكن أن يكون رأس مالها أجنبي- من تملك الأراضي الفلاحية (فصل 5)، كما يفتح المجال في فصله السابع عشر لهيئة الاستثمار لبيع الأراضي الدولية لهذه الشركات في إطار المشاريع ذات الأهمية الوطنية وذلك بصفة تفاضلية (فصل 17)، فاتحة بذلك الأبواب أمام “الاستيلاء على الأراضي”.

ليس الفصل بغريب على مجلس النواب اذ انه سبق وكان نزيل لجنة المالية في إطار مناقشتها لقانون الاستثمار سنة 2016 وصيغت فيه 6 مقترحات تعديل سحبت جميعها بسبب رفض الكتل لهذا الجزء من الفصل. وقد سبق وحذّر المرصد التونسي للاقتصاد من الموافقة على هذا المقترح على اعتبار أنه يسمح بطريقة غير مباشرة للشركات الأجنبية بتملّك العقارات الفلاحية.

يعود الفصل هذه المرة في صيغة أكثر جرأة ليتنزل في اطار مشروع القانون “الأفقي” الذي يتعلق بتحفيز الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال والذي يطرح جملة من التعديلات على 14 نص تشريعي تهدف الى تسهيل الاجراءات وتذليل الصعوبات التشريعية التي قد تعرقل أصحاب المشاريع عن الاستثمار الحر وذلك حسب ما ذكر في شرح الأسباب تفاعلا مع التوصيات الصادرة عن تقرير (Doing Business) للبنك الدولي وسعيا لتحسين ترتيب تونس في سلم أحسن وجهات الاستثمار عالميا.

مقتطف من شرح الأسباب من مشروع قانون 22.2019

 

يوسع الفصل 5 من مشروع القانون المذكور تعريف مصطلح “الشركات التونسية” لاحتواء كل الشركات المؤسسة طبقا للتشريع التونسي و التي يكون مقرها بالبلاد التونسية, بغض النظر على جنسية الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين المشاركين في رأس المال.

لكن ما أثر ذلك على الواقع؟
لنفترض السيناريو التالي:
جاك, مواطن فرنسي ميسور الحال يريد الاستثمار في مشروع فلاحي بصحبة زوجته الاسبانية و صديقه الألماني. نظرا لتدني كلفة اليد العاملة في القطاع الفلاحي قرر المستثمرون اختيار تونس كوجهة للاستثمار و قاموا بانشاء شركة استثمار فلاحي حسب التشريع التونسي و مقرها البلاد التونسية. التعديل المقترح في الفصل عدد 5 يسمح لهم بشراء العقارات الفلاحية في هذه الحالة من خلال الشخص المعنوي الذي تمثله الشركة. و رغم ان الملكية لن تؤول الى جاك أو شركائه حتى في حالة التصفية, فإن أصحاب المشروع الأجانب في نهاية الأمر يملكون الأرض بصفة غير مباشرة من خلال تملك شركتهم لها.

 

أثارت المقترحات ارتباكا وجدلا في صفوف النواب القلائل الذين تابعوا القانون. انقسم الحاضرون من كتلة حركة النهضة الى مؤيد ومعارض، اذ استنكر النائب الهادي صولة (حركة النهضة, القيروان) هذه التعديلات وحذر من كلفتها الاجتماعية والسياسية  مضيفا انه من المغالطة اقتراح تمليك الشركات بما فيها الأجنبية كحل لمعضلة التمويل في القطاع الفلاحي وان على النواب والحكومة إيجاد بدائل أخرى. من جهته، دافع محمد بن سالم (حركة النهضة, زغوان) عن المقترح قائلا ان رغبة التونسيين في امتلاك الاراضي لا تنبع عن رغبتهم في انشاء مشاريع مستدامة اقتصاديا وخالقة للثروة و ان الحل لتغيير ذلك هو فتح المجال للشركات للاستثمار. عبر إبراهيم بن سعيد (المؤتمر من أجل الجمهورية، قبلي) عن رفضه للفصل الذي اعتبره خطرا وإعادة إنتاج للهشاشة الاجتماعية التي تكبدها الفلاحون النازحون الى أحزمة الأحياء الهشة حول المدن غداة التعاضد. وتألقت بقية الكتل بغيابها عن النقاش.

أما بالنسبة للمنظمات المستضافة في جلسات الاستماع لم يلاق الفصل رفضا مطلقا على الرغم من خطورته. إذ يرى المدافعون على هذه التعديلات ككنفدرالية المؤسسات المواطنة (Conect) أن تونس ستربح الكثير من استقطاب الاستثمار الأجنبي على المستوى التكنولوجي وعلى مستوى الإنتاجية والتصدير وأن امتلاك الأرض يمثل ضمانة للشركات المستثمرة.

 

في حين تدافع الجمعية التونسية للمستثمرين في  رأس المال بكثير من الاحتراز على هذه الأطروحة قائلين ان الفصل يعالج اشكالية ضعف تمويل القطاع الفلاحي بشرط ان يتم تخصيص هذا الامتياز للشركات ذات رأس مال التنمية المتكونة من أشخاص طبيعيين تونسيين وحصره بمدة زمنية لا تتجاوز العشر سنوات تبيع بعدها الشركة اسهمها الى الفلاح, المالك الأصلي للأرض.

 

 

في المقابل, عبرت بعض المنظمات عن رفضها التام لا سيما من طرف اتحاد الصناعة  التجارة والصناعات التقليدية حيث أشار شهاب سلامة، ممثل غرفة الصناعات الغذائية، أنه لا جدوى من مناقشة اتفاقية التبادل الحر ان تمت المصادقة على هذا الفصل، إذ ان الفلاح الأجنبي إذا تملك الأرض، سيطر على الانتاج الوطني.


رسم صدري خياري، 2019: https://www.sadrikhiari.com/

التوضيب والتنسيق: محمد الحدّاد @_MohamedHaddad


 

Nada Trigui

Add comment

19 − اثنان =