Barr al Aman
Photo de couverture de Disclose - Made in France

فرنسا / اليمن: الخريطة التي تكشف أكاذيب الدولة

تثبتُ وثائق مُسرّبة مصنّفة تحت خانة “الدفاع السري” أن أسلحة مصنوعة في فرنسا استعملت في مقتل مدنيين في اليمن. تنشر برّ الأمان ترجمة لسلسة من المقالات للموقع الإخباري الفرنسي Disclose وذلك بعد موافقته. يمثل ممثلي الموقع يوم 14 ماي 2019 أمام الإدارة العامة للأمن الدخلي الفرنسي نتيجة للمعلومات الواردة في هذه السلسلة. النسخة العربيّة ليست مُلزمة لصاحب المقال.

الخريطة التي تكشف أكاذيب الدولة (ج1)

للإطّلاع على النسخة الأصلية – Pour consulter la version originale en français 

“سيدتي الوزيرة ، لدي سؤال سيزعجك …” بهذه الكلمات استقبل المذيع “علي بادو” ضيفته “فلورنس بارلي”وزيرة الدفاع الفرنسيّة يوم 20 يناير/جانفي 2019 على أمواج “إذاعة فرنسا الأولى” France Inter، يقوم المذيع فجأة بالتحديق في عيني ضيفته ثم يصيح في وجهها قائلا: “هل يجب أن نتوقف عن بيع الأسلحة للسعودية؟

مرت أشهر منذ أن تم طرح هذا السؤال على الهواء مباشرة، ولكن لم تتم الإجابة عنه إلى حد اللحظة. لازالت العقود بين فرنسا والمملكة العربية السعودية تثير جدلاً أخلاقياً وسياسياً وقانونياً حادّا: فكيف يمكن لفرنسا مواصلة تزويد أحد حرفائها بالسلاح الذي استخدم لقصف المدنيين في اليمن لمدة أربع سنوات؟

في 26 مارس 2015، أمر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان -مسنودا بالإمارات العربية المتحدة وثمان دول ذات أغلبية سنية -بسلسلة من الغارات الجوية والبحرية على جارته الخليجية. كان الهدف المعلن من ذلك: الدفاع عن النظام تجاه الانتصارات العسكريّة للحوثيين، تلك الأقلية الشيعية المدعومة من إيران.

تواجه البلاد اليوم، وفقًا للأمم المتحدة، “واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم“. إذ ما زال 28 مليون يمني يعيشون تحت القصف كما فقد أكثر من 8300 مدني حياتهم في الغارات الجوية التي قام بها التحالف لوحده و نجد من بين هذا العدد 1283 طفلاً، وفقًا للتعداد الذي قام به “مشروع بيانات اليمن”، وهي منظمة غير حكومية تقوم بجمع المعلومات عن الضربات التي قامت بها قوات التحالف.

(وصف لصورة متاحة في النسخة الأصلية) في 26 مارس 2015، قادت المملكة العربية السعودية، صحبة تحالف من عشر دول عربية، عملية عسكرية في اليمن وكان الهدف من هذا الهجوم القضاء على تمرد الحوثيين، وهم أقلية مدعومة إيرانيا. يضم هذا التحالف اليوم أربع دول فقط: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والسودان والبحرين. باللون الأحمر على الخريطة ، المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.

يضيف المقدم مصرّا: “هل يمكنك إخبارنا، سيّدة فلورنس بارلي، عما إذا كانت الأسلحة الفرنسية قد استخدمت ضد المدنيين في اليمن؟” .تبسط الوزيرة يديها على الطاولة ثم تحاول التهرّب من النقاش بجملة واحدة: “لست على علم بحقيقة أن الأسلحة [الفرنسية] تُستخدم مباشرة في هذا الصراع.

تمكنت منظمة Disclose من التوصّل إلى تسريبات غير منشورة لعدد من الوثائق التي تندرج ضمن تصنيف “الدفاع السري” – المستوى الأول من “الوثائق السرية للدفاع”، جمعت في تقرير من 15 صفحة كتبه ضباط من “مديرية الاستخبارات العسكرية “، DRM ، في 25 سبتمبر 2018 تحت عنوان “الوضع الأمني ​​اليمني”. تم إرسال هذه الوثائق السرية إلى إيمانويل ماكرون وفلورنس بارلي. بالإضافة إلى “ماتينيون” و وزير الشؤون الخارجية جان إيف لو دريان، و ذلك بمناسبة انعقاد مجلس الدفاع المضيّق الذي تم تخصيصه لمناقشة موضوع الحرب في اليمن يوم 3 أكتوبر 2018، في قصر الإليزيه.

تكشف مذكرة مديرية الاستخبارات العسكريّة عن جداول وخرائط تخصّ مناطق الدعم ،و تفصح لأول مرة عما تحاول الحكومة الفرنسية إخفاءه: القائمة التفصيلية للأسلحة الفرنسية المتورطة في الحرب في اليمن: دبابات Leclerc، قذائف الأسهم Mirage 2000-9، رادار Cobra، العربات المدرعة Aravis، مروحيات Cougar وDauphin، مدافع Caesar… سجّل مؤلفو التقرير كل نوع من الأسلحة بدقّة، مع تحديد ما إذا كانت المواد قد بيعت للجيش السعودي أو إلى جاره الإماراتي القوي. لكن، و قبل كل شيء، اكتشف المؤلفون أن العديد من الأسلحة التي تحمل علامة “صنع في فرنسا” قد سبق لها و أن أطلقت النار في حرب اليمن، بما في ذلك على المناطق المدنية.

تكشف هذه الوثيقة لأول مرّة قائمة الأسلحة المصنّعة في فرنسا والمستعملة في حرب اليمن.

لنأخذ مثلا مدافع قيصر Caesar، فخر الصناعة العسكريّة الفرنسيّة، فقد صُنعت هذه المدافع القوية في مدينة “روان” ( في مقاطعة اللوار) من قبل شركة “نكستر” (Nexter)، وهي شركة مملوكة بالكامل من قبل الدولة الفرنسية. عند تركيب هذا المدفع على هيكل شاحنة مخصّصة للسير على كافّة أنواع الطرقات، يمكن له إطلاق ست قذائف في الدقيقة على هدف معيّن من على بعد 42 كيلومترا. “تعد القوة النارية لهذا السلاح هائلة نظرا لسرعة الإصابة به ومداه الواسع ودقته الكبيرة“، وقد وفرت فرنسا ما لا يقل عن 132 قطعة من هذا السلاح إلى المملكة العربية السعودية و ذلك منذ سنة 2010، وفقا لبيانات مؤسسة “سيبري” SIPRI، المعهد السويدي المتخصص في انتشار السلاح. ومن المقرر إرسال المزيد من القطع في الأشهر المقبلة. (اقرأ الجزء المتعلق ب”خط سير التسليم السري”).

تؤكد خريطة DRM التي تحمل عنوان “السكان المعرضين لخطر القنابل” ما نتحدث عنه: ف48 من مدافع القيصر السعودية توجه فوهاتها باستمرار إلى ثلاث مناطق يمنية تنتشر فيها القرى والمزارع  والمدن و الفلاحين الأبرياء.

وفي دراستهم لموضوع صواريخ “قيصر”، يرسم خبراء مديريّة المخابرات العسكريّة DRM” دوائر كبيرة، ملطخة باللون الأحمر، تحدّد نطاق القذائف التي تطلقها هذه الصواريخ. تشمل هذه الدوائر ، عديد المناطق المأهولة من ربوع اليمن. فهل تم استخدام هذه المدافع الفرنسية في قصف تلك المناطق على وجه الدقة؟

نجد الجواب حول ذلك في الصفحة الرابعة من الوثائق المرسلة إلى رئيس الجمهورية. فقد قامت صواريخ “قيصر” ب”دعم القوات الحكومية والقوات المسلحة السعودية خلال تقدمهم في الأراضي اليمنية“. بتعبير أكثر بساطة، إنهم يقصفون اليمن لتمهيد الميدان أمام المدرعات والدبابات التي تقوم بغزو البلاد.

في 25 سبتمبر 2018، وضع الجيش السعودي 48 من مدافع “قيصر” حول ثلاث مناطق تقع على الحدود مع اليمن. قمنا بإجراء مقارنات حول هذا الموضوع مع بيانات المنظمة غير الحكومية “Acled” بشأن مقتل المدنيين بنيران المدفعية مع تحديد الموقع الجغرافي لها، أو عدمه، ضمن مدى إطلاق النيران لمدافع “قيصر”.

في المحصّلة: تم قتل 35 مدنيا خلال 52 تفجيرا في منطقة عمل هذه الأسلحة بين مارس 2016 وديسمبر 2018. على مدار السنوات الأربع الماضية، تراقب مختلف المنظمات غير الحكومية الإنسانية عن كثب التقدم المحرز في الحرب، ولا سيما تأثيره على المدنيين.

يقوم الباحثون في منظمة تحليل الصراع في “ACLED” على سبيل المثال،  ومقرها في المملكة المتحدة، بفرز ومراجعة المعلومات الواردة من الصحافة اليمنية ومواقع الأنترنت التي تبلغ عن التفجيرات.

ذكرت “وكالة الأنباء اليمنية ” كبرى وكالات الأخبار في اليمن أن حريقا ناتجا عن قصف من قبل المدفعيّة السعودية قد أدى في 14 يونيو/جوان 2018 إلى مقتل طفلين وإصابة العديد من البالغين في شمال اليمن. كانت هذه المعلومة مرجعيّة بالنسبة للمحللين في ACLED. إذ تقع قرية “بني فايد” التي تعرضت للقصف في محافظة “ميدي” ضمن مدى إطلاق النيران لمدافع “قيصر” الفرنسية. يذكر أنّ عددا من المدافع الأمريكية أو البريطانية أو الصينية قد تم استخدامها هي الأخرى في عمليات إطلاق النار شمال اليمن ، ولكن وفقًا لخريطة DRM، فإن مدى هذه الصواريخ لا يصل إلى القرية المعنية.

في 25 أوت 2018، استهدفت نيران مدفعية أخرى من قوات التحالف إحدى ضواحي مدينة “حرض” القريبة (يبلغ عدد سكانها 22000 نسمة). أدّى الانفجار إلى انهيار أحد المنازل وقد تمكّن السكان من انتشال أحد الضحايا وثلاثة من الجرحى. لنقم الآن بوضع مكان هذا القصف على الخريطة التي رسمتها “مديريّة الاستخبارات العسكريّة”، إن هذا المكان يقع أيضا في منطقة إطلاق مدفع قيصر على الجانب الآخر من الحدود…جرح مدنيون مرة أخرى ودمّر عدد من المباني في 28 أفريل 2018 عندما قصفت مجموعة من القذائف موقع “المزرق” وقرية “العتن” بالقرب من الحدود السعودية. ولازلنا بعد في هذه المنطقة من شمال اليمن حيث مدى مدافع “قيصر” فقط التي تضع السكان تحت طائلة القصف، وفق خريطة مديريّة الاستخبارات العسكريّة.

436.370 مدني مُعرّضُ لضربات الأسلحة الفرنسية حسب التقرير

ماذا عن الأسلحة الفرنسية الأخرى التي تستخدمها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة؟ في يوليو/جويلية الماضي، صرّحت وزيرة  الدفاع” فلورنس بارلي” أمام نواب لجنة الدفاع بالجمعية الوطنية قائلة : “على حد علمي ، فإن المعدات الأرضية المباعة للسعودية لا تستخدم لأغراض هجومية ، ولكن لأغراض دفاعية فقط على الحدود مع المملكة العربية السعودية “. اتصلت منظمة Disclose في سياق هذا التحقيق، بمصالح رئاسة الوزراء لتؤكد بدورها نفس هذا الموقف: “على حد علمنا، فإن الأسلحة الفرنسية المتاحة لأعضاء الائتلاف مخصصة بشكل أساسي لأغراض دفاعيّة

من الواضح أن الدبابات والمدافع الفرنسية ستقوم بدور دفاعي في الجانب السعودي من الحدود لحماية المملكة من هجمات الحوثيين. لكن هذه الحرب المقدمة على أنها “دفاعية” ليست هي عين الحرب الموصوفة في تقرير مديريّة الاستخبارات العسكريّة.

فوفقا للمخابرات العسكرية، تمّت تعبئة 70 دبابة قتاليّة من نوع “لوكليرك” في الصراع. كان الجيش الإماراتي قد جمّع أربعين منها في “المخا” و”الخوخة” ، و هما قاعدتان عسكريتان على الساحل الغربي لليمن. ستبقى الدبابات في هذه القواعد ولن يتم استخدامها أبدا في “الخط الأمامي للقتال ” كما تؤكد مديريّة المخابرات العسكريّة”. و لكن مع فارق مهم : “إذ ظهر عدد من هذه الدبابات أثناء الاستيلاء على منطقة “الخوخة” على بعد 115 كم من الحديدة”.

فوفقًا لبحثنا المستند إلى صور تم التقاطها على الخطوط الأمامية، تتقاطع  أيضا مع بعض الصور الواردة من القمر الصناعي، فقد شاركت دبابات لوكليرك ” Leclerc “في العديد من الهجمات الرئيسية التي شنّتها قوات التحالف.

وفي سيناريو مشابه للاعتداء الذي وقع بين يونيو/جوان وديسمبر 2018، على الساحل الغربي. غادرت دبابات “لوكليرك ” قواعدها وسارت في الطريق الشمالي متجهة إلى مدينة “الخوخة” ومدينة “زبيد” القديمة. ثمّ تقدمت نحو مدينة الحديدة الواقعة تحت سيطرة المتمردين منذ عام 2014، فهذه المدينة الساحلية هي البوابة الرئيسية للمنتجات الأساسية مثل القمح أو الأرز أو السكر، كما أنّها أحد الأهداف العسكرية ذات الأولوية للتحالف.

(…)

أغلب الهجمات الدموية التي يقوم بها التحالف تنفّذ من خلال القصف الجوّي. يشير محللو الاستخبارات الفرنسية في مذكرتهم إلى “قيام الرياض بحملة من الضربات الجوية الضخمة والمستمرة” منذ مارس 2015. إذ وفقا لمعطياتهم، فقد نفذ التحالف 24000 تفجيرا منذ عام 2015. منها ستّة آلاف خلال عام 2018 لوحده.

أكد “جان إيف لو دريان” في 13 فيفري الماضي أمام لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية “أن العمل الذي تقوم به المملكة العربية السعودية يتم بشكل أساسي عن طريق الجو”. وقبل الحديث عن أية مسؤولية فرنسية أردف قائلا: “نحن لا نقدم أي شيء للقوات الجوية السعودية”. وقد تبيّن في ما بعد الخطأ الذي احتواه هذا الخطاب كما يتضح من مذكرة مديريّة المخابرات العسكريّة، والتي لا يعلم البرلمانيون حتى وجودها، في حين أنها كانت بين متناول يدي وزير الخارجية قبل أربعة أشهر. تخبرنا الوثائق أيضا بأن الطائرات المقاتلة السعودية كانت مجهزة بميزة تكنولوجية عالية من تصميم و صيانة عدد من المهندسين الفرنسيين: إنّها “جراب داموكليس”.

يسمح نظام “تعيين الليزر” هذا، الذي تم تصنيعه بواسطة شركة “طالس” Thales، والموجود تحت الطائرات المقاتلة، للطيارين بتوجيه جميع أنواع الصواريخ بما في ذلك الصاروخ الأمريكي “رايثيون” Raytheon، والذي طبقًا لتحقيق أجرته شبكة سي إن إن، قد قتل 12 طفلاً يمنيًا وثلاثة بالغين في 20 سبتمبر 2016، في منطقة “المطامة” شمال اليمن.

لاغَنََى عن هذا السلاح كذلك في الضربات الموجّهة، فقد عزّز “جراب داموكليس” أيضا الطائرات القتالية الإماراتية المصنّعة فرنسيا. فهذا هو الحال مثلا  مع طائرة ” Mirage 2000-9 “، التي نعلم الآن علم اليقين ب”عملها في اليمن”. لكن مع أي صواريخ؟ لا تشي لنا المذكّرة بمعطيات حول ذلك. لكنها تخبرنا بأن سلاح الجو الإماراتي قد اشترى الصواريخ الموجهة البريطانية الفرنسية شاهين (MBDA) والصواريخ AASM (سافران) ، والتي يمكن استعمالها عن طريق طائرة ‘ميراج 2000-9’ المستخدمة في اليمن. يشار إلى أن الإمارات العربية المتحدة تمتلك 62 طائرة مقاتلة في المجموع، حسب معطيات معهد Sipri.

وتشارك عديد معدات الطيران الأخرى التي تصدّرها فرنسا مباشرة في هذه الحرب. و لنضرب مثلا على ذلك “كوغار” Cougar، طائرة الهليكوبتر القتالية المسؤولة عن نقل القوات السعودية، أو طائرة A330MRTT المخصّصة للتزود بالوقود. فقد قدمت شركة الطيران “إيرباص” ستة منها إلى المملكة العربية السعودية وثلاثة أخرى إلى الإمارات العربية المتحدة. إذ تلعب هذه الطائرات التسعة التي تم تجميعها في” تولوز” دورًا حاسمًا في الجو: فهي قادرة على تزويد الكثير من طائرات التحالف بغاز الكيروسين بشكل متزامن.

“إن وصول المساعدات الإنسانية أمر ذو أولوية بالنسبة لفرنسا”.

 فلورنس بارلي، 30 أكتوبر 2018

منذ ربيع عام 2015، تقوم السفن الحربية التابعة للتحالف بتصفية الوصول عن طريق البحر إلى ميناء الحديدة. تلتزم السفن السعودية والإماراتية رسميًا بتنفيذ عمليّة حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على الحوثيين من خلال فحص الشحنات المشبوهة. لكنها في الواقع قد تتجاوز هذا الدور لتحظر عمليّات التزوّد بالطعام والوقود واستيراد الأدوية التي يجب توفيرها لأكثر من 20 مليون يمني. إذ أنّ هذه الحواجز قائمة على “أساس تعسفي واضح” ، وفقًا لتقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) نُشر في أوت 2018.

من خلال التأكيد علنًا على أن رفع هذا الحصار يعدّ “أولوية” للدبلوماسية الفرنسية ، فإن الوزيرة فلورنس بارلي تغفل عنصراً رئيسياً صرّحت به مديرية المخابرات العسكريّة: إذ هناك سفينتان فرنسيتان “تشاركان في الحصار البحري” الذي يساهم في تضوّر ملايين اليمنيين جوعا (راجع جزء “استراتيجية التجويع”). فرقاطة سعودية من نوع “مكة” و بارجة حربيّة حاملة للصواريخ من نوع  “بينونة” الإماراتية. تساهم هذه السفينة الأخيرة أيضا في “دعم العمليات البرية التي تنفذ على الأراضي اليمنية” ، كما تقول المذكرة. أما إذا أردنا التعبير عن الأمر بأكثر صراحة فلنقل إنها تقصف الساحل.

في نهاية عام 2017 ، تحصّلت الإمارات العربية المتحدة على بارجتين فرنسيتين ، من نوع “غويند” 2500 Gowind . و برغم تزامنها مع أوج الحرب على اليمن ، إلا أن إيمانويل ماكرون قد رحّب كثيرا بهذه الصفقة. صرّح الرئيس الفرنسي في 9 نوفمبر 2017 ، خلال زيارة رسمية إلى أبو ظبي بأن “ هذا العقد يعزز العلاقات البحرية بين الدولتين ويكمل تعاونًا قويًا للغاية في الأعوام الأخيرة بشأن جميع أنواع الأسلحة“.

تضع المصالح التجارية الفرنسية القرار السياسي في باريس في موقف انفصامي للغاية. فالدولة الفرنسية هي ثالث أكبر مصدّر أسلحة في العالم، والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة هما ثاني وسادس أكبر حرفائها على التوالي ، وفقا لمعطيات وزارة الدفاع الفرنسيّة . وفي الوقت نفسه ، فإن فرنسا من الدول الموقعة على اتفاقية تجارة الأسلحة التي تلزم الحكومة الفرنسية بـ “عدم السماح بأي نقل للأسلحة” ، التي قد يمكن استخدامها من ارتكاب “هجمات ضد المدنيين أو الممتلكات المدنية (…) أو جرائم حرب أخرى” . في هذه النقطة ، يؤكّد “ماتينيون” Matignon على أن الاتفاقية “يتم تنفيذها” عندما يتم التقرير ب”التصريح أو عدمه لتصدير المواد الحربية”.

ولكن ما هو السبيل لمعرفة ما إذا كانت الأسلحة التي تقدمها صناعتك تستخدم ضد المدنيين عندما تكون قد فقدت أي أثر لها؟ في مذكرتها ، تستدرك مديرية الاستخبارات العسكرية أنه في ظل عدم وجود “أجهزة استشعار في المنطقة” ، فإنها “غير قادرة على التقييم الدقيق” للجهاز العسكري بالكامل للتحالف. وبالنسبة لكثير من المعدات الفرنسية ، تعترف المخابرات أنه ببساطة ليس لديها “أي معلومات حول [استعمالها] في اليمن” ، أو وجودها على الحدود. هذا اعتراف محرج للغاية لأعلى هرم الدولة ، لكن تحجبه المقتضيات المتعلقة بأسرار الدفاع حتى الآن.

للإطلاع على إجابة الحكومة الفرنسية


طريق عملية تسليم سرّية (ج2)

إنها واحدة من أقوى الأسلحة التي تبيعها فرنسا للمملكة العربية السعودية: مدافع “قيصر” CESAR. من إنتاج شركة Nexter المملوكة للدولة، يُشتبه في أن هذا المدفع الذي يمكن تركيبه على الشاحنات المعدّة للتنقل في مختلف المسالك قد تسبب في إطلاق النار على المناطق التي يسكنها مئات الآلاف من المدنيين في اليمن (راجع حول ذلك المقالة الأولى). أما الدولة الفرنسية، و رغم إدراكها التام للمخاطر،فتواصل تسليمها لهذا النوع من السلاح. إذ من المزمع شحن ما لا يقل عن 129 مدفعا من نوع “قيصر” إلى المملكة السعودية بحلول عام 2023،  وفقً ما تسرّب إلينا من معلومات.

تتبعت منظمة Disclose تفاصيل إحدى عمليات التسليم السرية لدفعة من هذه الصواريخ التي تم شحنها في سبتمبر 2018:

بدأت الرحلة في صباح أحد الأيام من سبتمبر 2018، في روان (لوار). من هنا، من موقع إنتاج” Nexter “، تم تحميل ما لا يقل عن عشرة مدافع من نوع “قيصر” في اتجاه “لوهافر”، على بعد 587 كم. عند وصول البضاعة إلى الميناء، تم شحنها في حاويات تتبع لشركة “بحري جازان”، وهي شركة شحن سعودية تتبع مجموعة “بحري”. أقلعت هذه السفينة في 24 سبتمبر لتصل بعد تسعة عشر يومًا إلى وجهتها النهائية: ميناء جدة، بالمملكة العربية السعودية.

بفضل تحليل صور الأقمار الصناعية والمعلومات التي تم الحصول عليها من المصادر المفتوحة، أعدنا في الفيديو رسم الطريق الذي اتبعته مدافع قيصر التي تم تسليمها في نهاية عام 2018.

عقد جديد مع المملكة العربية السعودية

اسم الرمز: ARTIS. خمس حروف نادرا ما يتم التلفظ بها و دائما ما تخضع إلى قيود من السرية بين أروقة شركة Nexter، الشركة الرائدة في مجال الدفاع الأرضي على المستوى الأوروبي. إن عقد التصدير الجديد هذا، الذي تم توقيعه في ديسمبر 2018، يضع السلطة التنفيذية في مواجهة عديد التناقضات مرة أخرى. ففي يوم 30 أكتوبر عام 2018، أكدت وزيرة الدفاع “فلورنس بارلي” من على شاشة تلفزيون BFM: بأنه “لا توجد لدينا أية مفاوضات جارية مع المملكة العربية السعودية. “ غير انّه، و في تلك الأثناء، كانت الحكومة تناقش بعض التفاصيل النهائية مع المملكة العربية السعودية حول العقد الذي يمتد حتى عام 2023. “حيث لم تتوقف صادرات المعدات العسكرية دفعة واحدة بعد عام 2015، كما أوردت مصالح رئيس الوزراء اليوم،و ذلك في معرض ردها على تساؤلات منظمة Disclose حول الموضوع. و لكن كان الترخيص في الأمر يتم على أساس دراسة كل حالة على حدة و في إطار مشدّد من اليقظة و الحذر”.

في سياق الحرب في اليمن، امتنعت شركة Nexter والدولة الفرنسية عن إعلان هذه الأخبار على الملأ. ثم تم إعطاء تعليمات بالإبقاء على ARTIS كموضوع سري قدر الإمكان حيث يجب ألا يظهر اسم البلد المقصود في الاتصالات، لا داخليًا ولا خارجيًا. ولكن لم تمنع هذه التدابير من استخدام هذا العقد “لتصفية حسابات” تجاه الشركة، كما أسرّ الرئيس التنفيذي ل Nexter ستيفان ماير داخل أروقة شركته.

تمكّنت Disclose من الحصول على مستند سري تم إصداره في اجتماع اللجنة الاقتصادية في Nexter، خلال شهر فبراير/ فيفري الماضي. وهو بعنوان “السياق والتوجهات الاستراتيجية”، يعدّ هذا التقرير واحدا من الأدلة القليلة المكتوبة حول وجود عقد ARTIS آنف الذكر. أما الوثيقة الثانية، التي تحمل عنوانا غامضا “خطة التسليم” فتحصي بدورها المعدات التي سيتم تقديمها للمملكة العربية السعودية بين 2019 و 2024. و من بينها المركبات المدرعة من نوع “تيتوس” Titus آخر إصدارات شركة Nexter، إضافة إلى المدافع المسحوبة من نوع 105LG التي سيتم شحنها بموجب عقد ARTIS. قامتDisclose بالاتصال بالشركة لبيان موقفها من الأمر، لكن لم تستجب Nexter إلى تقديم معلومات حول الموضوع.

خطة تسليم Nexter

“إن نجاح عقد ARTIS حسّاس من الناحية السياسية”، كما اعترف موظف من Nexter طلب عدم ذكر اسمه. تحرص المنظمات غير الحكومية,  مثل منظمة العفو الدولية و”شيربا “أو”أوكسفام فرانس”,  إلى معرفة تفاصيل الأسلحة التي يتم بيعها إلى بلد يشتبه في ارتكابه جرائم حرب من قبل الأمم المتحدة. سيبدأ بعض النواب أيضًا بالتحرّك و في مقدّمتهم”سيباستيان نادوت”,  العضو السابق في الحزب الرئاسي الذي دعا منذ أشهر إلى تشكيل لجنة برلمانية حول هذا الموضوع,  فضلاً عن الممثلين المنتخبين لحزب “فرنسا الأبيّة” La France insoumise. قد يكون هذا الأمر بدون جدوى، إذا اعترفت الحكومة بهذا الأمر، فهي لن تدرس النقاش حوله,  أوعلى الأقل: سنجد”صادرات الأسلحة الفرنسية ضمن مواضيع تقارير سنوية إلى البرلمان. هذه التقارير علنية “، يكتب ماتينيون (الوزير الأول الفرنسي). لكن يبدو أن المعلومات الواردة في هذه التقارير قد لا تحدّد نوع المعدات المباعة أو الشركة المصنعة أو الكمية المصدرة.

فعلى عكس ألمانيا، وهي مورد رئيسي آخر للجيش السعودي، الذي فرض حظراً على الأسلحة مؤخراً على المملكة، تواصل فرنسا التصدير… و لكن دائما بشكل سرّي.

قبل توقيع عقد مثل ARTIS، كان على Nexter الحصول على ترخيص تصدير صادر عن المديرية العامة للتسلح (DGA)، وهي إحدى المصالح تابعة لوزارة الدفاع. ثم الحصول على موافقة لجنة خاصة تحت إشراف الوزير الأول “ماتينيون” Matignon تسمى اللجنة الوزارية المشتركة لدراسة تصدير العتاد الحربي CIEEMG (la commission interministérielle pour l’étude des exportations de matériels de guerre ). عند فحص الملف,  من المفترض أن تأخذ CIEEMG في الاعتبار “الوضع الداخلي لبلد الوجهة النهائية وممارساتها فيما يتعلق بحقوق الإنسان”. و بسؤالها عن ذلك، نصّت CIEEMG على أن “المخاطر التي يتعرض لها السكان المدنيون هي على رأس معايير الفحص التي تم أخذها بعين الاعتبار”. لكن الحيثيات والقرار النهائي لهذه اللجنة لن يتم الإعلان عنها أبدًا. لتقوم CIEEMG بعد ذلك بإرسال اقتراحاتها إلى الوزير الأول، وهو السلطة الوحيدة التي تؤشّر على الطابع النهائي للعملية.


استراتيجية التجويع (ج3)

لمدة ثلاث سنوات,  تتزعّم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تحالفًا يقوم بقصف اليمن يوميًا. و بناءً على عمل مشروع اليمن للبيانات (انظر الحاشية) قمنا بتحليل 19.278 تفجيراً تم تسجيلها بين 26 مارس 2015 و 28 فبراير/فيفري 2019.

نتيجة للمعطيات الواردة بهذا العمل، لاحظنا أنّ 30٪ من الغارات الجوية التي تمت دراستها قد وجّهت إلى أهداف مدنيّة. مع توفر إرادة مضمرة للتحالف في تدمير البنية التحتية الضرورية لحياة 28 مليون يمني.

كان من بين الأهداف عَدَدُ من المزارع والأسواق وقوارب الصيد وخزانات مياه الشرب… حيث استهدف 1.140 قصفا لقوات التحالف مراكز الإنتاج الزراعي والإمدادات الغذائية داخل البلاد. مما يجعل قطاع الغذاء الهدف الثالث لضربات التحالف العربي,خلف الأهداف العسكرية (4.250) والمناطق السكنية (1.883).

ساهم هذا القصف إلى حد كبير في إغراق اليمن في أخطر أزمة إنسانية في التاريخ المعاصر. فوفقا للأمم المتحدة، هناك ما لا يقل عن 80٪ من السكان ممن يحتاج إلى مساعدات غذائية طارئة.

يكشف تحقيقنا عن استراتيجية حقيقية للمجاعة في اليمن. إذ لم يتسنّ لحرب الجوع هذه أن تحصل لولا قيادة السعوديين والإماراتيين لطائرات وأنظمة توجيه قنابل و سفن “مصنوعة في فرنسا”، إضافة إلى الدعم الدبلوماسي الثابت للحكومة الفرنسية منذ بداية الصراع.

“تجويع المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب يمكن أن يكون جريمة حرب”

القرار 2417، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 24 ماي 2018

قصف التحالف 659 مزرعة منذ عام 2015. وتقع هذه الأهداف بشكل رئيسي في شمال غرب البلاد,  معقل المتمردين الحوثيين. لا شكّ في أن هناك جانبا إراديا لاستهداف البنى التحتية: فوفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، لا تغطي الأراضي الصالحة للزراعة سوى 3٪ من مجموع الأراضي اليمنية. وفقط 1٪ من هذه الأراضي تزرع بشكل دائم.

في 3 يناير 2016، أضر قصف قامت به قوات التحالف بقطيع من الأبقار في مزرعة في “باجل”,  في المنطقة الغربية من الحُدَيْدَة.

يعيش اليمنيون بشكل رئيسي في المناطق الريفية والجبلية و70 ٪ منهم يعتمدون على الأسواق المحلية لتلبية احتياجاتهم الغذائية اليومية.

قصفت قوات التحالف 218 سوقا من أسواق المواد الغذائية. في المناطق النائية مثل محافظة حجة، يعتمد الناس كليا على هذه الأسواق. لقد أصبحت هذه المناطق عالية الخطورة بالنسبة لآلاف الأشخاص.

في 6 يناير/جانفي 2018، دمرت سلسلة من الغارات الجوية سوق الفواكه والخضروات في محافظة صعدة، رغم عدم احتواء هذا السوق أو المنشآت المجاورة له على أية أسلحة أو مقاتلين.

<iframe width=”560″ height=”315″ src=”https://www.youtube.com/embed/WFLv_yIm7pI” frameborder=”0″ allow=”accelerometer; autoplay; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture” allowfullscreen></iframe>

استهدفت 138 عملية تفجير مواقع إنتاج وتخزين ونقل المواد الغذائية: صوامع الحبوب والدقيق، ومحلات الفواكه والخضروات، ومصانع التعبئة، والمخابز.

في 17 أكتوبر 2017، تم تدمير مجموعة من مخازن تبريد الفواكه والخضروات جراء القصف في صعدة.

شركة تجارية -زراعية ضربتها غارة للتحالف في ذمار، إحدى المدن الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.

كان الساحل أيضًا موضع هجمات متكررة. فقد أطلقت طائرة مقاتلة، بمساعدة سفن حربية سعودية وإماراتية، النار على القرى والموانئ وقوارب الصيد.

تم تدمير 222 سفينة على الأقل في الموانئ أو على البحر الأحمر واستهدفت 35 غارة عددا من قوارب الصيد. كما سقطت قنابل التحالف على أسواق الأسماك.

في 13 فبراير/فيفري 2019، أصيب قارب صيد صغير بصاروخ على الساحل اليمني.أفادت تقارير أن وزارة الثروة السمكية اليمنية أوقفت 4586 من أصل 7000 قارب صيد.

أدت الحرب إلى الانهيار الاقتصادي للبلاد. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 150 ٪. أما بالنسبة لسعر الوقود، فقد زاد بنسبة 200٪. و كان لهذا الانفجار في الأسعار عواقب مباشرة على الزراعة والنقل والكهرباء والصحة والمياه. تم استهداف 91 موقعًا لإمداد مياه الشرب بالغارات الجوية و من بينها عدد من الآبار والخزانات والمضخات، فضلا عن محطات معالجة المياه وقنوات الري.

تم ضرب مشروع لليونيسيف لتزويد 10.500 شخص بمياه الشرب للمرة الثالثة من خلال غارة للتحالف في منطقة نشور,  شمال محافظة صعدة.

في 8 كانون الثاني (يناير)/جانفي 2016، استهدف الائتلاف محطة “المخا” لتحلية المياه، التي توفر المياه لآلاف السكان على الساحل.

في عام 2019، قدرت الأمم المتحدة أن 16 مليون يمني لا يتمكنون من النفاذ إلى المياه الصالحة للشراب. وقد أدى هذا الوضع إلى تفشي وباء الكوليرا الرهيب في غرب البلاد.

“نحن نخسر المعركة ضد المجاعة”

مارك لوكوك، مفوض الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، سبتمبر 2018

14 مليون شخص قد يصلون إلى “مرحلة ما قبل المجاعة” في الأشهر المقبلة. في السنوات الأربع الماضية، توفي 85000 طفل بالفعل بسبب الجوع أو المرض.

يحدث جزء من استراتيجية المجاعة أيضًا في البحر, فمنذ 14 أبريل 2015,  تاريخ اعتماد الأمم المتحدة لحظر الأسلحة على الحوثيين، قام التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بفرض حظر بحري داخل مياه البحر الأحمر. وبعبارة أخرى، فإن هذا الحظر لا يحترم متطلبات الأمم المتحدة، حيث يتحكم التحالف بشكل منتظم وأحيانا انفرادي في شحنات البضائع التي تذهب إلى اليمن. ونتيجة لذلك، فإن وصول المساعدات الإنسانية قد شهد بطئا شديدا، مثل وصول السلع الحياتية الضرورية في الحديدة، بوابة اليمن الرئيسية للواردات.

“إن حرمان المدنيين من المواد المنقذة للحياة,  بما في ذلك عرقلة إيصال المساعدات الغذائية الموجهة لمكافحة انعدام الأمن الغذائي الناجم عن النزاع,  يمكن أن يشكل انتهاكًا للقانون الإنساني الدولي. “

القرار 2417، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 24 ماي 2018

يتحمل التحالف الإماراتي السعودي، بقصفه وحصاره البحري، مسؤولية كبيرة في الأزمة الإنسانية. لكن الحوثيين ليسوا خارج المسؤولية بدورهم: إذ تتهمهم الأمم المتحدة بتحويل وجهة المساعدات الغذائية الموجهة للسكان,  واستهداف مخزون الغذاء.

قالت فلورنس بارلي، 30 أكتوبر 2018، أن هناك “أزمة إنسانية غير مسبوقة“، في صباح ذلك اليوم، على قناة BFM-TV، أضافت وزيرة الدفاع بطريقة أكثر حدّة “أن أولوية فرنسا هي تمرير المساعدات الإنسانية بأية طريقة”.

في ذلك الوقت, كانت فلورنس بارلي على علم بتورط الأسلحة الفرنسية في الحصار البحري الذي يساهم في تجويع اليمن.

يستند هذا المسح إلى قواعد بيانات مختلفة عن اليمن. مشروع اليمن للبيانات، مبادرة شفافية للتحالف تجمع بيانات غير رسمية حول القصف في اليمن. تأتي هذه البيانات من مصادر مفتوحة تمت مقارنتها بعد ذلك بالمعلومات التي جمعتها المنظمة غير الحكومية البريطانية ACLED (Armed Conflict Location and Event). يضاف إلى ذلك بيانات عامة من منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، ومنظمة الصحة العالمية، والتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي IPC (Integrated Food Security Phase Classification).


البقاء على قيْد الحياة في اليمن (ج4)

(ملاحظة المترجم: يتمثل هذا المقال في تقرير مصوّر، نضع على ذمتكم النصّ المرافق للصور)

لورينزو توجنولي هو مصور إيطالي يعمل في بيروت لصالح وكالة “كونستراتو”. حصل على “جائزة وورد برس فوتو”لسنة 2019 “عن ريبورتاج قدّمه حول عمله في اليمن. وهو أحد آخر المصورين الذين زاروا البلاد بين نوفمبر وديسمبر 2018 و شمل عمله خصوصا المنطقة التي يسيطر عليها الحوثيون. و قد قامت Disclose بنشر تقريره بشكل حصري في فرنسا.

لم يبق من “رغيد” سوى هيكل عظمي صغير تعانقه ذراعي جدّه. يحمل هذا الطفل البالغ من العمر أربع أشهر علامات واضحة من سوء التغذية، من البطن المتورمة إلى الجلد الفضفاض حول ذراعيه الكسيحتين.

والده غائب. غادر قرية “العبر” المعزولة للذهاب إلى سوق المدينة المجاور أملا في تسول بضع القطع النقديّة، عسى أن يتمكّن من سدّ رمق أبنائه الصغار.

“رغيد صغير” في أحضان جده. في عمر أربعة أشهر، يعاني هذا الرضيع من سوء تغذية حاد. تتطلّب حالته إرساله على وجه السرعة إلى عيادة “أسلم”، لكن عائلته لا تستطيع تحمل كلفة اصطحابه إلى هناك.

تعيش عائلة رغيد في منزل من الطين فوق تلة صغيرة. وبينما كنت جالسا في المقصورة، التقطت صوراً للرضيع وجدته التي سلّمته آخر حصة له من مسحوق الحليب.

"رغيد" وجدته في منزلهما في "العبر"، 8 ديسمبر 2018.
“رغيد” وجده في منزلهما في “العبر”، 8 ديسمبر 2018.

ليس “رغيد ” الطفل الوحيد الذي يعاني من الجوع في البلاد. ففي كل بلدة وقرية في محافظة حجة، شمال غرب اليمن، هناك العشرات من الأطفال في نفس وضعه البائس.

بالنسبة للعائلات التي تقطن القرى النائية من  محافظة حجة، فإن الوصول إلى المرافق الصحية يكاد يكون مستحيلاً. فمنذ بداية الحرب، انفجر سعر الوقود وزادت نسبة الفقر.
بالنسبة للعائلات التي تقطن القرى النائية من  محافظة حجة، فإن الوصول إلى المرافق الصحية يكاد يكون مستحيلاً. فمنذ بداية الحرب، انفجر سعر الوقود وزادت نسبة الفقر.

تمتلئ الأسواق بالطعام في هذه المنطقة، و لكن الأسعار زادت بأكثر من الضعف في السنوات الأخيرة. ألقى هذا الوضع بظلاله على أسر الفلاحين التي كانت في طليعة ضحايا المجاعة.

أكشاك الطعام في سوق الملح، في مدينة صنعاء القديمة، العاصمة. هنا، كما في أي مكان آخر في شمال اليمن، لا يوجد نقص في الغذاء. لكن الأسعار مرتفعة لدرجة أن معظم الناس لم يعودوا قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
أكشاك الطعام في سوق الملح، في مدينة صنعاء القديمة، العاصمة. هنا، كما في أي مكان آخر في شمال اليمن، لا يوجد نقص في الغذاء. لكن الأسعار مرتفعة لدرجة أن معظم الناس لم يعودوا قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

في العام الماضي، و أثناء إنجاز ريبورتاجين مصورين، قمت بزيارة العديد من المستشفيات ومخيمات اللاجئين في البلاد. قابلت الكثير من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية هناك. وأسوأ ما في الأمر كله هو أن هذه المجاعة ليست مرتبطة بكارثة طبيعية. بل تعزى إلى الإنسان بشكل رئيسي.

استعملت الحكومة اليمنية والمتمردون الحوثيون الإنسان كسلاح حرب طيلة ردهات هذا الصراع الممتد منذ أربع سنوات. واليوم، يعيش أكثر من نصف السكان في ظروف قريبة من المجاعة، أي ما يقارب 14 مليون شخص.

حاجز في حي الجهملية، تعز، في 23 نوفمبر 2018.
حاجز في حي الجهملية، تعز، في 23 نوفمبر 2018.

تمّت تسوية مباني حي “الجهملية ” بالأرض أثناء المواجهات الأخيرة بين المتمردين الحوثيين والقوات الموالية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.

تمّت تسوية مباني حي "الجهملية " بالأرض أثناء المواجهات الأخيرة بين المتمردين الحوثيين والقوات الموالية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.
تمّت تسوية مباني حي “الجهملية ” بالأرض أثناء المواجهات الأخيرة بين المتمردين الحوثيين والقوات الموالية للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.

حكومة الرئيس هادي، المنفي في الرياض، مدعومة من قبل تحالف من الدول العربية بقيادة المملكة العربية السعودية. كان هذا التحالف نفسه هو الذي فرض حصارًا على مياه البحر الأحمر، مما حد من استيراد الأغذية والأدوية والوقود.

أرادت المملكة العربية السعودية وحلفاؤها إضعاف التمرد المسلح، لكن السكان المدنيين هم الذين يدفعون الآن الثمن الأكبر. فقد أدى الحصار البحري والقصف المتواصل وتخفيض قيمة العملة الوطنية إلى انهيارالاقتصاد.

في “أسلم”، رأيت الأمهات يحشرن في غرف المصحّة، محاطات بأطفالهن المصابين بسوء التغذية. معظمهن قد أتين من مناطق نائية في محافظة حجة، و تعانين هنّ أيضًا من سوء التغذية.يحدث غالبًا أن تضطر هؤلاء النساء إلى مشاركة سريرهن مع شخص آخر أو طفلهن بسبب ضيق المكان.

في “أسلم”، رأيت الأمهات يحشرن في غرف المصحّة، محاطات بأطفالهن المصابين بسوء التغذية. معظمهن قد أتين من مناطق نائية في محافظة حجة، و تعانين هنّ أيضًا من سوء التغذية.ي حدث غالبًا أن تضطر هؤلاء النساء إلى مشاركة سريرهن مع شخص آخر أو طفلهن بسبب ضيق المكان.

تقع محافظة “حجة” على الحدود مع المملكة العربية السعودية، وهي واحدة من أكثر المحافظات تضرراً من المجاعة، لدرجة أن الأسر غالباً ما تضطر إلى اختيار الطفل الذي ستطعمه … وعادةً ما تكون الفتيات الصغيرات والأطفال المعاقين أول من يتم التضحية به.

تقدر منظمة” إنقاذ الطفولة” غير الحكومية أن 85.000 طفلا دون سن الخامسة قد فقدوا حياتهم بسبب المجاعة منذ بداية النزاع. كان معظم الضحايا يعيشون في مناطق نائية، حيث عسّرت الحرب استخدام طرق الوصول التي تستخدمها المنظمات الإنسانية.

تم إدخال بعض الأطفال إلى المستشفى، وأحيانًا لعدة مرات،ثم يصف لهم الأطباء الحليب المدعم والمكملات الغذائية. لكن شفائهم في كثير من الأحيان مؤقت فقط،  وتتدهور صحتهم بمجرد العودة إلى المنزل.

“جينا محمد حسن” هي إحدى الفتيات التي تتم معالجتها في مستشفى الثورة بصنعاء. تبلغ الفتاة من العمر 3 أشهر و قد أتت رفقة والدتها من مدينة تعز، على بعد أكثر من 260 كم من هذا المكان.

قضيت عدة أيام في تصوير الحياة اليومية لعيادة أسلم. رأيت أطفالاً مرضى جددا يصلون إلى هناك كل يوم. لكن بسبب نقص الفضاء المخصّص، لا يقبل الطاقم الطبي إلا أولئك الذين يتهدّدهم خطر الموت بشكل مباشر.

يتم وزن الأطفال وقياسهم قبل تخصيص سرير لهم حيث يمكنهم البقاء عدة أشهر في مكانهم هذا.

“فاطمة أحمد” تشاهد ابنتها ندى البالغة من العمر 5 سنوات أثناء عملية القبول في عيادة أسلم.
“مروة حارب محمد عبد الله”، 10 أعوام، تعاني بدورها من سوء التغذية. حالتها لم تكن خطيرة بشكل كبير،ولم يقبلها الأطباء بالمستشفى. في العائلات، غالباً ما تكون الفتيات الصغيرات آخر من يتم إطعامهن.

في جميع أنحاء البلد، قام التحالف العسكري بشنّ غارات جوية بأسلحة وفرتها فرنسا إضافة إلى عدد من الدول الأخرى. تم استهداف الطرق والمصانع ومحطات الطاقة، ممّا جعل إنتاج وتوزيع السلع شديدة الكلفة في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات بشكل خاص.

يتركز القتال ضد المتمردين الآن حول الحديدة، وهي مدينة ساحلية على الساحل الغربي، فالحديدة هي نقطة الدخول الرئيسية للواردات والمساعدات الإنسانية إلى شمال البلاد، حيث يعيش معظم السكان. لقد مرت عدة أشهر منذ أن حاول التحالف استعادة السيطرة على المنطقة لكن دون جدوى.

بعد غارة جوية في منطقة “زناريك الحديدة.” أسفر الهجوم عن مقتل شخصين، بينهم فتاة تبلغ من العمر 16 عامًا.

بالنسبة للتحالف، كان من الممكن أن يؤدي الاستيلاء على هذه المدينة الإستراتيجية إلى تغيير نتائج الحرب. غير انّه ما من نتيجة قد تحقّقت في الواقع بخلاف مضاعفة آثار الأزمة الإنسانية فقط. على سبيل المثال، تم حظر مخزون من القمح يشحنه برنامج الأغذية العالمي لمدة أربعة أشهر بسبب القتال، كان بإمكان هذا المخزون إطعام أربعة ملايين شخص.

بالقرب من ميناء الحديدة يقوم بعض التجار بشراء وبيع الأسماك. منذ بداية الحرب، لم يبق سوى عدد قليل من الصيادين ممن يزاول الخروج إلى البحر. فعديد القوارب قد تم استهدافها، كما تم القبض على عدد من الصيادين واعتقالهم.

عندما أحصل أخيرًا على إذن بالذهاب إلى الميناء، أجده مهجورا. يجلس العملة اليوميون فوق أرصفة فارغة,  حيث لا تجد سوى سفينة وحيدة ترسو على الرصيف.

من بعيد، أرى الرافعات التي دمّرت من قبل الضربات السعودية والبقايا المتفحمة لصوامع الحبوب والمستودعات. في الأثناء، و على بعد آلاف الكيلومترات من ذلك المكان،  في السويد، يجلس المتحاربون على طاولة المفاوضات لتقرير مصير المدينة.

مسيرة جنود الحوثيين بالقرب من مناطق التخزين التي تضررت من الضربات السعودية.
مسيرة جنود الحوثيين بالقرب من مناطق التخزين التي تضررت من الضربات السعودية.
كان الميناء في قلب مفاوضات السلام التي انتهت يوم التقاط هذه الصورة. فقد قررت الأمم المتحدة إنشاء إدارة انتقالية للميناء وتجريد منشآته من السلاح، غير أنّ هذه التدابير لم تدخل حيز التنفيذ بعد.
كان الميناء في قلب مفاوضات السلام التي انتهت يوم التقاط هذه الصورة. فقد قررت الأمم المتحدة إنشاء إدارة انتقالية للميناء وتجريد منشآته من السلاح، غير أنّ هذه التدابير لم تدخل حيز التنفيذ بعد.

أرخى الليل سدوله على المياه الهادئة، وخيّم الصمت على الميناء. من المشكوك فيه فعلا أن هذه المفاوضات ستؤدي إلى حل للنزاع، فاتفاقات أخرى أبرمت قبل هذه,  وتمّ خرقها على الفور. إن رؤية التخلي عن هذا الميناء الذي كان مزدهراً ذات يوم لا يلهمني سوى بأمل ضئيل حول المستقبل.


ما الغرض من نشر Disclose لوثائق مصنّفة ضمن خانة”الدفاع السري”؟

في أكتوبر 2018، تم الكشف عن المستندات التي تم تصنيفها على أنها “سريّة للغاية”. تقرير من 15 صفحة حول الأسلحة الفرنسية المباعة إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة،  وهما الدولتان المتورطتان في حرب لا نهاية لها في اليمن. لذا يتحتّم أن تكون المعلومات التي تحتويها هذه المستندات معروفة للجمهور.

نعتبر أن نشر هذه المستندات مدفوع بالحاجة إلى فتح نقاش متوازن حول عقود الأسلحة التي تربط الدولة الفرنسية بالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. إنها ضرورة ملحّة أكثر من أي وقت مضى لسعي السلطة التنفيذيّة المتواتر إلى التعتيم عن محتويات هذه الوثائق بأشد ما تملك من جهد .

تمت صياغة هذا التقرير في 25 سبتمبر 2018 من قبل مديرية الاستخبارات العسكرية (DRM),  وقد قدم إلى رئيس الجمهورية بمناسبة مجلس الدفاع المضيّق الذي عقد في الاليزيه يوم 3 أكتوبر 2018 . يحمل هذا التقرير عنوان “اليمن: الوضع الأمني”,  وهو يوضح لأول مرة بعض أنواع الأسلحة التي باعتها فرنسا واستخدمتها في النزاع اليمني ؛ يثبت التقرير أن مئات الآلاف من المدنيين يعيشون تحت تهديد الأسلحة “المصنوعة في فرنسا” كما يوفر معلومات تسمح لنا بالجزم بأن هذا السلاح قد استخدم في جرائم حرب، لذا تعلم السلطة التنفيذية الفرنسية اليوم مدى المخاطرة التي أقدمت عليها.

لبعض الدواعي الأمنيّة,  وافق Disclose على طلب إخفاء الهوية المقدّم من مصادر التسريب. يستبعد قانون حماية المبلغين عن المخالفات “Sapin II” من “نظام التبليغ” “الحقائق أو المعلومات أو المستندات التي يغطيها سر الدفاع الوطني“. حتى الآن، لم يتم حماية مصادرنا، على الرغم من طبيعة المصلحة العامة لهذا الكشف. توضيح مفيد آخر: لا يكشف التقرير عن أي عمليات عسكرية فرنسية قيد التقدم، ولا يعرض أمن أي من الأفراد الفرنسيين للخطر.

بالإضافة إلى هذه المذكرة المكونة من 15 صفحة، ننشر هنا وثيقة سرية ثانية. مؤرخة في 8 أكتوبر 2018. تمت كتابتها بعد أيام قليلة من النسخة التي تسليمها إلى الإليزيه. ولكن هذه المرة تم تخفيض حجم الوثيقة إلى ستة صفحات، وقد تمّ إرسالها إلى قائمة طويلة من المتلقّين، يتجاوز عددهم الأربعين موزّعين على مختلف الإدارات والوزارات. في هذه النسخة التي تم توجيهها إلى عدد موسع مقارنة بالوثيقة الأولى، اختفت المعلومات الأكثر إحراجا كخروج البطاقات العسكرية ومراجعة الأسلحة الفرنسية المتورطة في الحرب.

يمكن أن يكون لنشر هذه المعلومات تأثير ملموس على النقاش العام. فمنذ عدة أشهر، دعا البرلمانيون إلى إنشاء لجنة تحقيق في مبيعات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة و لكن بدون جدوى. في لجنة الشؤون الخارجية أو الدفاع، يحصل النواب الذين طرحوا سؤالاً على الوزراء على مسؤولية فرنسية محتملة على إجابات مجزأة بل وحتى خاطئة في أحيان أخرى. تثبت وثائق مديريّة الاستخبارات العسكرية أنه قد تم إقصاء ممثّلي الشعب عمدا عن المعلومات اللازمة لممارسة مهمتهم الرقابية على سياسة الحكومة بالوجه المطلوب.

لكل هذه الأسباب ولأن دور Disclose يبقى دائما الكشف عن المعلومات ذات الاهتمام العام، فإننا سنواصل نشر كل هذه المستندات التي تريد السلطة إخفاءها.

وثيقة 25 سبتمبر 2018

الجدول والخرائط

ترجمة: خير الدّين باشا

تنسيق: محمّد الحدّاد

فريق بر الامان La rédaction de Barr al Aman

Add comment

14 − ستة =