Barr al Aman

تحلية المياه: النصف الملآن من الكأس

خيّل للكثيرين أن تحلية مياه البحر كانت بمثابة الحل المعجزة الذي تم الاهتداء إليه للحد من ندرة المياه الصالحة للشراب في تونس .فقد تم استخدام هذه التقنية سابقا في قطاعات عدّة كالصناعة، الفلاحة و الفندقة و لم يبق إلاّ تجربتها في إنتاج المياه الصالحة للشراب الموزعة على المستهلكين، لكن يبدو أن هذه العمليّة تخفي عديد العواقب و النتائج الكبيرة والخفيّة.

تلوح علامات الفوز و الغبطة على محيّى يوسف الشاهد ، فلربما اعتقد في قرارة نفسه بأنه قد وجد الوسيلة السحرية  لمجابهة معضلة نقص المياه في البلاد التونسية. فبعد أن قام بتدشين أول محطة لتحلية مياه البحر في تونس بجزيرة جربة صرّح لوسائل الإعلام قائلا:”

لقد تم إنجاز هذا المشروع بخبرات تونسية وباستثمارات بلغت 180 مليون دينار، إن هذا لأمر مهم(…)  فقد ساهم هذا المشروع في توفير المياه الصالحة للشراب للتونسيين”.

ثم أعطى تعليماته إثر ذلك بتسريع إنجاز محطة تحلية مياه البحر بسيدي عبد الحميد بمدينة سوسة.

يبدو بهذا أن مشكلة ندرة المياه الصالحة للشراب قد بدأت تجد طريقها نحو الحل، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى تطوير القطاع الفلاحي. ففي شهر أوت من نفس تلك السنة أعلن “عبد الله الرابحي” كاتب الدولة للموارد المائية و الصيد البحري عن إعداد مثال مديري لتحلية المياه المالحة بهدف تطوير النشاط الفلاحي.

و قد شهدت هذه السنة -عموما-عديد التحركات المماثلة ضمن توجة استثماري متكامل من قبل الدولة. ففي فيفري 2017 أعلن سمير بالطيب وزير الفلاحة و الصيد البحري أن مبلغا يناهز 200 مليون دينار سيضخ بين سنتي 2017 و 2018 لتمويل مشاريع تهدف إلى الحد من ندرة المياه و من بينها إنجاز 40 محطة متنقلة لتحلية المياه.

فالدولة التونسية تستثمر إذن بشكل واضح في تحلية المياه ، هذه التقنية التي تتمثّل في تنقية الأملاح من المياه المالحة  و مياه البحر و جعلها بالتالي صالحة للاستعمال البشري. فظاهرة العطش بدأت بالتمدد في البلاد بشكل مستمر، إذ بتنا نلاحظ تصاعدا متواصلا للتحركات الاحتجاجية و المسيرات التي يعبّر من خلالها المواطنون عن امتعاضهم من الوضعية الصعبة التي أصبحوا يعيشونها في ظل شحّ المياه. حيث لا تلوح حلول دائمة لهذا الموضوع في الأفق ، فحسب تقديرات الشركة الوطنية لاستغلال و توزيع المياه فإن تونس ستلتجئ إلى تعبئة 95 بالمائة من مخزونها من المياه. و حسب ترتيب آخر قام به “معهد الموارد العالمي” و هو مركز أبحاث امريكي مختص فإن تونس الآن تقبع ضمن شريحة متكونة من 33 دولة مهددة بالعجز المائي في أفق سنة 2040.

المياه، موارد في طريقها إلى الندرة:

يعني العجز المائي بكل بساطة استهلاك كمية من المياه تتجاوز المخزون الموجود في البلاد، و مثل هذا الأمر هو حقيقة يعاينها قسم كبير من المواطنين في يومنا هذا: فضغط المياه أصبح ضعيفا و التدفق أصبح دقيقا جدا إضافة إلى انقطاعات المياه المتواصلة…في سنة 2015 بلغ معدّل المياه المتوفرة نسبة تقدّر ب450 مترا مكعّبا مقابل منسوب عالمي لا يجب أن يقلّ عن 1000 متر مكعّبا حسب الأمم المتحدة.

حسب أرقام الشركة الوطنية لاستغلال و توزيع المياه فإن الاستهلاك الوطني للمياه يتوزّع بين نسبة 80 بالمائة للنشاط الفلاحي و 11 بالمائة للاستهلاك المنزلي و 6 بالمائة للنشاط الصناعي و 1 بالمائة للسياحة.

إن الاستهلاك المفرط للموارد المائية يدفعنا إلى البحث عن حلول للحد من ندرة هذا المورد الحيوي. وقد أضحت تحلية المياه التقنية الأكثر شعبوية في الاعتماد من قبل صانعي القرار الوطني.

فالموقع الرسمي للشركة الوطنية لاستغلال و توزيع المياه قد قدّم سنة 2015 الخطوط العريضة لمخطط لإنجاز 3 محطات تحلية لمياه البحر بكلّ من جربة و الزارات (قابس) و في صفاقس.

هل يمكن اعتبار التحلية بالتالي بمثابة الحلّ المعجزة الذي سيمكّن تونس من تجاوز أزمة العطش القادمة؟ لا يمكن أن ننكر أن لتونس في الواقع تجربة سابقة في استعمال هذه التقنية. إذ بالرغم من أن وحدة تحلية مياه البحر في جربة تعدّ الأولى من نوعها في هذا المجال تحديدا فإن عديد المحطات الأخرى لتحلية المياه قد وجدت سابقا في ربوع عديدة من البلاد.

16 محطة لتحلية المياه في كافة أنحاء البلاد

في حي “منفلوري” وسط العاصمة يوجد المقر الاجتماعي للشركة الوطنية لاستغلال و توزيع المياه، ضمن بناية تقع على قمة هضبة توفّر مشهدا متميّزا لمدينة تونس. و في مدخل المبنى تربض نافورة، تذكّرنا ، كما هو متوقّع، بأن ّ هذه المؤسسة هي التي تنظم الأنشطة المائية في البلاد التونسية.

في مكتبه بالطابق الثاني من البناية يستقبل السيد “عبد الرؤوف نويصر” المدير المركزي للأبحاث و لوحدة التصرف الخاصة بمشروع تحلية المياه بجربة عديد المكالمات الهاتفية أو الأشخاص الذين يزورون باستمرار مكتبة لأخذ رأيه أو أوامره في مواضيع معيّنة.

يستضيف السيد “نويصر” جميع زواره بنفس الترحاب و يخصص حيزا من وقته لتفسير طبيعة المشاريع الموجودة على المدى المتوسط. يشرع في بسط رأيه حول الموضوع بأن تاريخ تحلية المياه الصالحة للشراب يبدأ في تونس منذ حوالي 35 سنة.ف”أول المحطات المستعملة للتحلية تعود إلى سنة 1983 بجزيرة قرقنة، يضيف مفسّرا.

إجمالا، تعتمد الشركة الوطنية لاستغلال و توزيع المياه على 16 محطة للتحلية:15 منها مخصصة لمعالجة المياه المالحة القادمة من طبقات المياه الجوفية و محطة لمعالجة مياه البحر.

 

و مع أن أولى المحطات قد رأت النور في سنة 1983 ، فإن البلاد لم تكن تحتوي إلاّ على خمس محطات فقط حتى سنة 2015. و لم تتسارع وتيرة إنجاز المحطات إلا منذ الفترة المتراوحة بين 2015 و 2018 عبر” موجة قوية من الاهتمام بالتحلية” و زرع 11 محطة جديدة كما يؤكد على ذلك السيد نويصر.فما هو السبب في هذا التسارع؟

 

محطات تحلية المياه التي وضعت قبل عام 2015:

1/ قرقنة, 1983
3600 مترا مكعبا
2/ قابس, 1999
إنتاج 34000مترا مكعبا من الماء الصالح للشراب يوميا.
3/ جرجيس, 2000
15000مترا مكعبا
4/ جربة, 2000
2000 مترا مكعبا
5/ بن قردان, 2013
عبر مشروع نموذجي للوحات الشمسية لإنتاج الطاقة اللازمة للتشغيل(إنتاج الطاقة اللازمة لتشغيل المحطة بنسبة الثلث) 18000 مترا مكعّبا في اليوم.

المحطات من 6 إلى 15 بين سنتي 2015 و 2018. المجموع 36500 مترا مكعبا من المياه في اليوم:

6/ بني خداش(مدنين)
800 مترا مكعبا
7/ مارث (قابس)
5000 مترا مكعبا
8/ مطماطة
4000 مترا مكعّبا
9/ بلخير
1600 مترا مكعبا
10/ قبلي
6000 مترا مكعبا
11/ دوز
4000 مترا مكعبا
12/ سوق الأحد
4000 مترا مكعبا
13/ توزر
6000 مترا مكعبا
14/ نفطة
4000 مترا مكعبا
15/ حزوة
800 مترا مكعبا
16/ جربة : , 2018
تحلية مياه البحر منذ ماي 2018، إنتاج 50000 مترا مكعبا في اليوم مع إمكانية إنتاج 75000 مترا مكعبا.

تنتج البلاد إجمالا 110.900 مترا مكعبا من المياه الصالحة للشراب يوميا من تحلية المياه المالحة و 50.000 مترا مكعبا من المياه عن طريق ماء البحر.

أي أن هناك 160.900 مترا مكعبا من المياه الصالحة للشراب التي يتم إنتاجها على المستوى الوطني عن طريق هذه المحطات الستة عشر، و هي كمية إنتاج مثيرة للسخرية مقارنة بالجار الجزائري على سبيل المثال، الذي تنتج محطة واحدة للتحلية في الجزائر العاصمة 200.000 مترا مكعبا من المياه يوميا سنة 2008.

 

25 محطة  منتظرة في أفق سنة 2023

تطمح البلاد إلى عدم الوقوف عند هذا المستوى إذ من المزمع إنشاء 9 محطات أخرى في أفق الخمس سنوات القادمة. يصف “عبد الرؤوف نويصر” هذه الإستراتيجية ب”الدخول بقوة ” في هذا المجال على اعتبار أن موجة ثانية من إنجاز المحطات قد أخذت طريقها نحو الإنجاز .فللدولة التزامات بإنجاز ست وحدات لتحلية المياه المالحة في أفق سنة 2023 بطاقة إجمالية للإنتاج تناهز 31.000 مترا مكعبا في اليوم.

وهناك ثلاث محطات لتحلية مياه البحر مبرمجة كذلك ضمن هذا المشروع:

  • سوسة: في سنة 2020 بطاقة إنتاج تتراوح بين 50.000 مترا مكعبا إلى 100.000 متر مكعبا في اليوم.
  • الزارات، تم توقيع الاتفاق حوله ، و ستبدأ الأشغال سنة 2019 بطاقة إنتاج تتراوح بين 50.000و 100.000 مترا مكعبا في اليوم.
  • صفاقس، طلب عروض حول المشروع، طاقة إنتاج تتراوح بين 100.000 و 200.000 مترا مكعبا في اليوم.

من المنتظر أن توفر هذه المحطات 280.000 متر مكعبا في اليوم من المياه الصالحة للشراب ،حيث سيسمح مع المحطات الموجودة بتوفير كمية إجمالية ب444.000 مترا مكعبا من المياه الصالحة للشراب يوميا. مع العلم بأننا نستهلك في تونس يوميا ما يقارب ال467 متر مكعبا من المياه للشخص الواحد، بالتالي سيمكن الإنتاج اليومي للمياه الصالحة للشراب من توفير الحاجيات السنوية من المياه ل940 شخصا.و سيتكفل الإنتاج السنوي لهذه المحطات بحاجيات 344.000 شخصا، أي ما يعادل نصف عدد سكان المدينة العتيقة للعاصمة التونسية.

يفسر السيد “نويصر” بأن هذا “الصعود القوي لهذه الإستراتيجية” لا يخلو من “الغلو” شيئا ما. فهذا الأمر يتطلب قدرة كبير للتأقلم مع الوضع الجديد من قبل المشغل العمومي، الذي سيجابه هذا التحدي بدون أي ضمانة تكفل حسن سير الظروف لصالحه بشكل جيد تماما. ولكن “يضيف السيد نويصر. “ليس لدينا أي خيار آخر.إذ أن إنتاج المياه عبر التقنية التعاقدية التقليدية(مياه المنابع و السدود و الطبقات الجوفية) قد بلغت حدوده القصوى في تونس.

التحلية كتقنية مكلفة

تماشيا مع هذا الوضع الدقيق تبدو عملية التحلية بمثابة الحل السحري لمجابهة الأزمة. فإذا اعتبرنا أن المياه تغمر 71 بالمائة من سطح الأرض و أن 97 بالمائة من هذه النسبة هي من المياه المالحة تبدو لنا المعادلة واضحة تماما: فالماء كمصدر، موجود بشكل كبير و لكن ليس الأمر سيّان بالنسبة للماء الصالح للشراب. فتكلفة تحلية مياه البحر باهضة جدا إذا اعتمدناها كطريقة استثمارية في هذا المجال.

توجد عديد التقنيات في مجال التحلية، على غرار الترشيح ،أو التنقية الكهربائية التي تقوم بفصل الملح عن الماء عبر تأثيرات حقل كهربائي و الإنضاح العكسي الذي يقوم بفصل الملح عبر غشاء نصف نضّاح. و بالنسبة للحالة التونسية فإن تقنية الإنضاح العكسي هي التقنية المعتمدة لتحلية المياه.

و لكن هذه التقنية ، التي يزداد استعمالها يوما بعد يوم ، تعدّ ذات تكلفة كبيرة: “إن التحلية هي تكنولوجيا مكلفة عموما من الناحية الاستثمارية كما من ناحية المعالجة و إنتاج المياه. و لا نستطيع مع الإمكانيات الحالية أن ننشرها في تونس بشكل واسع. فبالنسبة لأي موزع ، تعد هذه العملية ذات تكلفة ثقيلة”، يفسر لنا السيد نويصر.

فعلى سبيل المثال ناهزت تكلفة محطة جربة 180 مليون دينار، و ستبلغ كلفة مثيلتها في قابس 215 مليون دينار أما محطة سوسة فتتطلب استثمارا ب130 مليون دينار في حين تبلغ تكلفة محطة صفاقس 900 مليون دينار.

بعض هذه الاستثمارات تم إنجازها عبر تمويلات أجنبية كما يبيّن ذلك موقع الشركة الوطنية لاستغلال و توزيع المياه.فقد تطلّب إنجاز المحطات الستة عشر التي رأت النور بين سنتي 2015 و 2018 تمويلا من البنك الألماني للتنمية إضافة إلى ميزانية الشركة الوطنية لاستغلال و توزيع المياه..

مشروع القانون 2013/86  باعتماد معاهدة متعلق بمحطة تحلية مياه البحر في جربة:

علاوة على أن المحطات الست الأخرى المزمع إنجازها بين سنتي 2018 و 2023 ستكون مموّلة هي الأخرى من البنك الألماني للتنمية. أما بالنسبة إلى محطات تحلية مياه البحر الثلاث فإن تمويل محطة جربة قد تأتى من البنك الألماني للتنمية إضافة إلى الوكالة الفرنسية للتنمية و بالنسبة لمحطة الزارات فمن البنك الألماني للتنمية فيما وقع تمويل محطة صفاقس عبر الوكالة اليابانية للتعاون الدولي.

يتبادر إلى أذهاننا تساؤل على قدر من الوجاهة ، حول قدرة الدولة التونسية على تبني مثل هذا الخيار، إذ يبدو أن الدولة بوجه عام غير قادرة بتاتا على تمويل هذه المشاريع بطريقة مستقلة و هو ما يوحي كذلك بتساؤل آخر عن الخيارات المعتمدة من الناحية التقنية في وحدات التحلية.حيث يؤكد السيد نويصر بأن “تونس لا تملك كفاءات خاصة بها في إنجاز المعدات التقنية في هذا المجال إذ تتطلب تكنولوجيا و مادة بحثية غير متوفرة في تونس للأسف”.

دينارين و 35 من المليمات تكلفة المتر المكعب الواحد

لا يبدو غياب الكفاءات عائقا جوهريا نحو تبني هذه التقنية. ففي إطار ندوة انعقدت في نوفمبر من سنة 2018 بمدينة العلوم، شرح”محمد زعرة” المهندس و المدير المركزي لوحدة التصرف في مشروع محطة تحلية مياه البحر بصفاقس، دون أن يبدي ّأي وجه من أوجه النقد بأن عملية الإنضاح العكسي تبقى التقنية الأفضل التي يجب تبنيها ضمن هذه المقاربة.

و في إطار عرض قدمه لتدعيم وجهة نظره تلك، لم يقم الرجل بجهد واضح لإخفاء تكلفة المتر المكعب الواحد من الماء العذب المنتج بواسطة مياه البحر، إذ بدت بكافة الوضوح على الشاشة:يشير الرقم الموجود إلى دينارين و 35 من المليمات من بينها 780 مليما كتكلفة للاستثمار ، في مشروع يطمح إلى نسبة إنتاج تبلغ 100000 مترا مكعبا يوميا على المدى البعيد.

ولكن بمجرد أن تدخل الاستثمارات حيز الإنجاز، فإن التحلية نفسها ستبلغ تكلفة باهضة من زاوية إنتاج الماء الصالح للشراب.ف”بمناهزة المصادر العادية حدودها القصوى يجب التوصل إلى مجموعة من الحلول البديلة لتفادي الأزمة و من بينها تحلية المياه الذي يعد عملية مكلفة على اعتبار طبيعتها الحساسة التي تتطلب استثمارات على مستوى معالجة المياه و مصاريف استغلال الوحدات” يؤكد لنا السيد نويصر.

بهذا المعنى، فإن تكلفة المتر المكعب الواحد من المياه العذبة المستخرجة من مياه البحر تصل إلى ما يقارب الدينارين في حين أن المتر المكعب من المياه الناتجة عن المصادر العادية ،أي مياه السدود ، تصل إلى 845 مليما.

“هناك قناعة على المستوى السياسي بأننا بلغنا مرحلة شح الموارد المائية و أنه ينبغي علينا تبعا لذلك اللجوء إلى مرحلة التحلية. و لكن قد تولد كذلك وعي لدى صانع القرار بالتكلفة العالية لمثل هذا الإجراء” حسب مايقول السيد نويصر.

تقنية مستهلكة جدا للطاقة

فإضافة إلى تكلفتها المادية العالية فإن التحلية تقنية مستهلكة جدا للطاقة. حيث يعتبر السيد زعرة أن إنتاج متر مكعب واحد من الماء الصالح للشراب عبر تقنية الإنضاح العكسي يتطلب 3 كيلوواط من الطاقة. بناء على ذلك فإن من جملة مبلغ الدينارين التي تعتبر كلفة إنتاج متر مكعب واحد من الماء العذب المستخرج من مياه البحر سنجد مبلغ 880 مليما كتكلفة طاقية.

و لكن يبرر عبد الرؤوف نويصر هذا الأمر بالقول: ” مع التقدم التكنولوجي الملاحظ فإن التكلفة الطاقية اللازمة لتحلية المياه و إنتاج متر مكعب من المياه العذبة ستنخفض شيئا فشيئا ،و هو الأمر الذي سيخدم التوجه نحو عملية التحلية ، عوضا عن مواصلة نقل مياه الشمال إلى جنوب البلاد”.

لكن ،و إن أوحى كلام السيد نويصر بمزايا عديدة لعملية التحلية فإن عديد المنظمات غير الحكومية الناشطة في المجال البيئي قد اتخذت آراء أقل تفاؤلا حيال هذا الموضوع. ففي سنة 2007 نبهت منظمة”الصندوق العالمي للطبيعة” إلى أن توسع استعمال هذه الآلية المعتمدة لإنتاج المياه الصالحة للشراب و المستهلكة بشكل كبير للطاقة قد أدى إلى انتشار الغاز المسبب للاحتباس الحراري بنسب كبيرة.

لهذا سنجد أنفسنا بإزاء شكل من أشكال الحلقة المفرغة: ندرة للمياه، فاحتباس حراري يطل على الأرض، و بغرض الحصول على الماء فسنطور تقنيات تعزّز من هذا الاحتباس.

في سنة 2008 قدرت مجلة فرنسية أن إنتاج مليونين و 700 ألف متر مكعب يوميا من المياه في إسبانيا” قد أدى إلى انبعاث 5.476 طنا من غاز ثاني أوكسيد الكربون إلى الجو، مما زاد نسبة انبثاق هذا الغاز بنسبة 0.6 بالمائة على مستوى البلاد.

 إحدى الطرق التي تم التفكير فيها لمكافحة أضرار التلوث الناتجة عن الاستهلاك الطاقي لوحدات التحلية هي استعمال الطاقات البديلة. ففي محطة التحلية في بنقردان على سبيل المثال فإن ثلث الطاقة المطلوبة للإنتاج تتأتى أساسا من اللوحات الشمسية.” كما يوجد كذلك مشروع لتوليد الطاقة عن طريق التوربينات الريحية في محطة بالجنوب التونسي” يبين لنا كذلك السيد نويصر ، و لكن يتدارك بالقول” يبقى أمر اعتماد الطاقات المتجددة معقدا بعض الشيء مع الاستهلاك الكبير لمحطات التحلية. لكن مع ذلك يجب التفكير بشكل ملي في معضلة الطاقة.لذا قمنا باقتناء معدات تحلية عالية الجودة تمكن من تقليص كلفة استخراج المياه بشكل ملموس.” يؤكد السيد نويصر ، الذي يشير في هذا الصدد إلى الاختيارات المتعلقة بآلات الرشح و المضخات ، تلك المواد المستوردة التي لا غنى عنها في وحدات التحلية.

التأثيرات البيئية

إضافة إلى تكلفتها العالية و استهلاكها الطاقي الكبير فإن تأثيرا سلبيا آخر لتحلية مياه البحر قد ينتج أساسا عن طرح الأملاح و المواد الكيميائية المرافقة لها.

فعند عملية تحلية المياه المالحة ، من الضروري أن يتم إحداث برك للتبخر تطرح فيها الأملاح الموجودة ، أما بالنسبة لتحلية مياه البحر فإن الأملاح تطرح في أعماق البحار، مما يؤثر بشكل مباشر على العائلة النباتية و الحيوانية البحرية ، و في المحيط تبعا لذلك، على اعتبار أن نسبة تملّح الفضلات الملحية أعلى بضعفين من النسبة الموجودة في مياه البحر.

لقد تم إعداد عديد الدراسات عالميا لقياس تأثير هذه الفضلات. ففي فرنسا أو في الجزائر رفع عديد الباحثين صافرة الإنذار حول التأثيرات المسجلة على العمق البحري. إذ نشرت منظمة”الصندوق العالمي للبيئة” دراسة في سنة 2007 نبهت إلى العواقب البيئية الناتجة عن تطور استعمال تقنية التحلية.و في مدى أقرب من ذلك نشرت منظمة الأمم المتحدة تقريرا في جانفي من سنة 2019 حول تأثير الفضلات يهدف إلى مراجعة و تنظيم عملية تحلية المياه.

في  سنة 2013 ،أورد تقرير من إعداد” راديو فرانس انفو” أن النسبة الطبيعية لملوحة مياه البحر تتراوح بين 37 و 38 غراما في اللتر الواحد ، في حين تبلغ نسبة ملوحة المياه المطروحة قد تصل إلى 70 مليمترا” مما قد يهدد تواجد نبتة “البوسيدونيا” المائية التي تعتمد عليها عديد الكائنات البحرية كمصدر للغذاء و الحماية.

و إن قامت عديد الأبحاث على المستوى الدولي بدراسة العواقب البيئية و الصحية لعملية التحلية ، فإن الأمر لم يطرح بعد اليوم في تونس. “يوجد تأطير صارم في ما يخص الفضلات البحرية في تونس. حيث يجب القيام بدراسة جدوى بيئية توافق عليها الوكالة الوطنية للبيئة و المحيط  ثم تصادق عليها عند الشروع في الإنجاز” يفسّر لنا السيد نويصر. و بهذا ، وعند المقارنة بين آثار لا نعلم شيئا عنها بعد على المستوى التونسي و بين معضلة ندرة المياه يبدو الاختيار في النهاية واضحا جدا.

هل هنالك حلّ آخر ممكن؟

بالرجوع إلى المعلومات التي توفرها الشركة الوطنية لتوزيع و استغلال المياه فإن نسبة المردود المائي العام قد بلغت 70 بالمائة على مستوى الشبكات أي أن 30 بالمائة من المياه المنتجة قد تم إهدارها.

فهل من الأجدى أن نواجه هذا الإهدار المائي كحل أكثر عقلانية و أكثر احتراما للمنظومة البيئية عوض الالتجاء إلى إنشاء محطات جديدة لتحلية المياه في طول البلاد وعرضها؟

” إن الإهدار المائي أمر لا يمكن تفاديه في عملية توزيع المياه لكن يمكننا التقليل منه. ففي جنوب البلاد مثلا يوجد هدر مائي أكبر بكثير من مثيله في شمال البلاد بسبب طول المسافة التي يقطعها الماء إلى هناك..نسعى إلى إعادة تقييم لهذه العملية برمتها، لكن الأمر يتطلب جهدا ماليا كبيرا لإنجازه بالكيفية المثلى”.

هل يمكن أن يتجاوز هذا الجهد المالي المطلوب تكلفة إحداث محطات جديدة؟ يجادل عبد الرؤوف نويصر حول ذلك “بأن عملية التحلية أمر لا مفر منه،حيث يجب العمل بفاعلية على مستوى اقتصاد المياه و لكن لم يعد لدينا موارد. يستوجب الأمر تضافر عديد الجهود ، فتخفيف التأثيرات و الحد من الهدر المائي أمر على غاية من الضرورة و لكن الأولوية لتدعيم الموارد الموجودة و تحسين جودة المياه التي توزّعها الشركة”.

ثم يختم حديثة بكل ثقة و دون أدنى درجة من التهكم: “من حسن حظنا في تونس أن البحرلا يزال يمتد أمامنا”.

ولكن و إن بقي امتداد البحر أمامنا ماثلا، فإن عديد الباحثين قد عبروا عن قلقهم الشديد عن آثار تحلية مياه البحر. فعديد الأبحاث التي نشرت سنة 2007 من قبل “الصندوق العالمي للطبيعة” و في جانفي الماضي من الأمم المتحدة لا تنفكّ تنبهنا حول العواقب الناتجة عن ازدهار هذه التقنية ، حيث اعتبر عديد الباحثين أن التحلية ستصبح قريبا أحد المشاكل البيئية الراهنة.

.

Sana Sbouaï

Add comment

5 × 4 =