Barr al Aman

الفرنك الإفريقي Franc CFA: حكاية عملة استعمارية

الفرنك الإفريقي (فرنك المستعمرات الفرنسية في أفريقيا سابقا). مفعم هو تاريخ هذه العملة بالحركية و التوتّر المثير للانقسام. ففي حين يرى البعض أن المكان الطبيعي لهذه العملة يقبع في مجموعات المولعين بتجميع القطع الأثرية للعهود الاستعمارية البائدة، نجد هذه العملة تسري الى اليوم في أسواق أربعة عشر بلدا إفريقيا.

لقد كانت المشادّة الكلاميّة بين زعيمي قوّتين استعماريّتين قديمتين (فرنسا وايطاليا) فرصة لنفض الغبار عن الموضوع و التذكير مجدّدا بهذا الوضع الغريب المستمرّ منذ عقود. 

في جانفي الماضي أشار”لويجي دي مايو”، نائب رئيس مجلس الوزراء الإيطالي آنذاك في إطار مهاجمته للرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى هذه القضية كسبب مباشر لتنامي أزمة الهجرة و ذلك عبر مواصلة فرنسا ابتزاز البلدان الإفريقية. “يقوم (ماكرون) باعطائنا دروس في الأخلاق ثم يذهب ليواصل حل أزمة الدين العمومي (الفرنسي) بتمويلها بالمال الذي ينهبه من إفريقيا” كما ورد في تعليقه. في تقدير “دي مايو” رئيس حركة خمس نجوم الإيطاليّة، فإن وسيلة الابتزاز تلك لم تكن سوى عملة الفرنك الإفريقي ، الذي “تواصل باريس عبره استعمار العشرات من البلدان الإفريقية”.

لم يتوانى الفرنسيون في الرد سريعا على الهجوم الإيطالي الذي لم يكن الدافع وراءه، حسب قولهم، سوى غايات سياسية داخلية للاتحاد الأوروبي.  غير أن أطروحة “دي مايو” لم تكن تنتقص حججا دامغة لإثباتها بل هي تتوفر على البداهة أولا، ثم على حجج منطقية، وقيميّة مدعمة بالوقائع التاريخيّة الثابتة.

إن هذه المشادّة بين الإيطاليّين و الفرنسيّيين تذكّرنا بما جرى في السنوات الأولى من القرن العشرين، أي ذلك الزمن الذي شهد إتمام القوى الاستعماريّة اقتسامها لكعكة المستعمرات في القارّة الإفريقية و إصدارها لعملتها. فقد كان الأفارقة قبل ذلك مستمرين في اعتماد طرق التعامل الاقتصادي التقليديّة قبل أن تنهي السلطات الاستعماريّة تماما هذا الشكل من النقد في أواسط القرن العشرين تقريبا لصالح العملات الرسمية للقوى المحتلّة كالفرنك و المارك و الشيلينج.

تم ذكر هذه الصورة في كتاب “السلاح الخفي لافريقيا الفرنسية: قصة الفرنك الفرنسي” لكاتبيه “فاني بيغو” و “ندونقو سامبا سيلا”. دار النشر La Decouverte. 2018

تمّ سرد قسم من قصّة هذه النقود الاستعماريّة من قبل “رجيس أنطوان”، وهو جامعيّ مختصّ في الدراسات الاستعماريّة في عدد فيفري 1988 من مجلة “إستوريا’ . يعود الجامعي الفرنسيّ في المقال إلى السنوات الأولى من الاحتلال البرتغالي لبعض مناطق إفريقيا و آسيا قبل أن يواصل في رحلته التاريخيّة عبر القرون. في سفره عبر الزمان و المكان، لم يقتصر على سرد الغارات العجيبة للصوص الكراييب و قصص النهب الوحشيّة، على غرار نهب كنز امتلكه “داي الجزائر”أثناء الاستيلاء على المدينة من قبل المحتلّ الفرنسيّ سنة 1830، بل تعدّى ذلك إلى أشكال أخرى مقنّنة من النهب.

يسرد “رجيس أنتوان” كذلك التنافس بين المستعمرين الأوروبيّين لفرض عملاتهم الوطنية في المستعمرات الإفريقية. ففي ذلك الوقت نافس الفرنك الفرنسي الشلن الإنجليزي في “داهومي” (جمهورية البنين الحاليّة) التي كانت آنذاك منطقة ينشط فيها التجار البريطانيون خاصّة. أما في مستعمرة الكاميرون التي خسرتها برلين عقب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، فسرعان ما عوّضت القطع النقدية للفرنك الفرنسي المصنوعة من معدن”النيكل” قطع المارك الألماني.

“في ذروة السطوة الاستعمارية خلال أوائل القرن العشرين، كما يكتب، كانت “روبيا” الملكة فيكتوريا و “الفينينق” الإفريقي للملك غيوم الثاني (الألماني)، “الرّييس” الاستعماريّة للبرتغال و الفرنك في المستعمرات الإفريقية الفرنسيّة و قطع “السينتيسيمي” في إفريقيا الإيطاليّة و الفرنك البلجيكي لليوبولد، ملك الكيان المستقل للكونغو، تنتشر في المقاطعات الاستعماريّة وقد نقشت عليها خصلات شعر الحكّام و خوذات القياصرة و تماثيل الجمهوريّات البيضاء و صور الرحالة والمبشّرين”.

ضمن هذا المزيج المتنوّع من العملات البرّاقة اللامعة, كان الفرنك الفرنسي العملة الوحيدة التي صمدت في مواجهة الحربين العالميّتين و موجات التحرّر من الاستعمار خلال ستينات القرن الماضي.

تمّ إصدار فرنك المستعمرات الفرنسيّة في إفريقيا وفرنك المستعمرات الفرنسية في المحيط الهادي في 25 ديسمبر 1945 بالتوازي مع قرار خفض قيمة العملة الفرنسيّة. فمكنت العملتان، وليدتا انحدار الفرنك الفرنسي، مدينة باريس من إعادة بعث الاقتصاد الفرنسيّ المهترئ عقب الحرب و ذلك بمواصلة استنزاف الموارد الكامنة تحت الثرى الغني لمستعمراته. إذ كان سعر الفرنك الفرنسي المركزي المنخفض بالنسبة للعملتين الجديدتين يجبر المستعمرات على توريد المنتجات الرخيصة من الدولة المركز. 

و بعد سنوات قليلة من ذلك، و مذعنة لإرادة التاريخ الحتميّة خلال موجات الاستقلال، لم تقم السلطة الفرنسيّة بتسليم كلّ صلاحياتها وامتيازاتها إلى البلدان المستقلّة حديثا. على العكس، إذ قامت باريس بالحفاظ على أقصى ما تملك من تحكّم في مستعمراتها السابقة من خلال اتفاقيّات في عدة مجالات من بينها الاقتصاديّ والماليّ وبعض التحويرات السطحية. فقد كان تغيير تسمية العملة “فرنك المستعمرات الفرنسية في إفريقيا”، من بين الإجراءات التي مكنت من عدم المساس بالامتيازات الاستعماريّة لفرنسا. وهكذا بقيت منطقة الفرنك الاستعماري صندوقا مغلقا يعيد إنتاج نفس المنظومة.

اليوم لم يعد الفرنك الإفريقي هو نفس الفرنك المستعمل في المستعمرات الإفريقيّة.

ضمن الاتحاد الاقتصادي و المالي لغرب إفريقيا (UEMOA) المتكوّن من البنين، بوركينا فاسو، الكوت ديفوار،غينيا بيساو، مالي، النيجر و السنغال و التوغو، يتكون الاسم التصغيري CFA من الحروف الأوائل للكلمات المكوّنة لعبارة “المجموعة الماليّة الإفريقيّة” (communauté financière africaine).

أما في المجموعة الاقتصاديّة و المالية لوسط إفريقيا (CEMAC) التي تضمّ الكاميرون وجمهورية إفريقيا الوسطى، جمهورية الكونغو، الغابون، غينيا الاستوائيّة و التشاد فيأخذ يرمز هذا الاسم التصغيري CFA Franc الى عبارة “فرنك التعاون المالي لإفريقيا الوسطى” (Franc de la Coopération Financière de l’Afrique centrale) .

قامت الصحيفة الأسبوعية “جون أفريك” في مارس 1982 بنشر ملفّ خاص ببنك دول وسط إفريقيا BEAC)) 1982 يفسّر آليّة إخضاع مركز إصدار العملة في منطقة المجموعة الاقتصاديّة و الماليّة لوسط إفريقيا للخزينة الفرنسيّة.

فوفقا لاتفاقيات التعاون التي تم امضاؤها يومي 22 و 23 نوفمبر 1972 بمدينة برازافيل من قبل الدول المنضوية تحت بنك دول وسط إفريقيا، تم ربط قيمة الفرنك الإفريقي بقيمة الفرنك الفرنسيّ بمعدل ثابت، ليس للدول الافريقية تعديله. بذلك أصبح الفرنك الإفريقي في ذلك الوقت يعادل 0,02 فرنكا فرنسيا. بعد إحداث العملة المشتركة للاتحاد الأوروبي تم تغيير المعادلة حيث أصبح اليورو الواحد يعادل 655,957 من الفرنكات الإفريقية.

إضافة إلى هذا الربط الثابت، لا توجد أي ضوابط تقيّد حركة رؤوس الأموال و التحويلات الماليّة الجارية. و بذلك ساد مبدأ التحويل الحرّ على العمليّات الماليّة و أضيفت إليه خاصيّة ثالثة، وهي قابلية استبدال العملة بشكل لا محدود.

ما الذي يترتّب عن هذه المبادئ الثلاثة؟

“لضمان قيمة عملتهم المشتركة، تم جعل الدول المنضوية تحت بنك دول وسط إفريقيا خلال اتفاق برازافيل توافق على جمع مدّخراتها التحويليّة (مدخّراتها من العملة الصعبة والذهب باعتبارها الضمانات لكل عملة) ووضعها ضمن حساب جار في الخزينة الفرنسيّة، يسمى حساب العمليّات الماليّة”، حسب ما ورد في صحيفة جون أفريك. هذا هو الثمن التي تدفعه هذه الدول مقابل الضمان اللانهائي الذي توفّره فرنسا للعملة التي يصدرها هذا البنك.” مع العلم أن الخزينة الفرنسيّة هي هيكل مكلّف بالتصرّف في الدين و الخزينة الوطنيّة الفرنسيّة.

“قابليّة التحويل بين الفرنك الإفريقي و الفرنك الفرنسيّ تأتي ضمن هذا الضمان الذي يتمّ آليّا عبر وساطة حساب العمليّات الماليّة المذكور: حيث يقوم هذا الحساب بتسجيل كافة تحرّكات رؤوس الأموال المرتبطة بالتحويلات العالميّة بين منطقة BEAC والخارج. فاستبدال الفرنك الإفريقي بالعملة الصعبة و العكس يتمّ آليا عبر سعر الصرف الثابت الذي يربطه بالفرنك الفرنسيّ”، كما تشير صحيفة “جون أفريك”.

رغم القيمة العلمية لهذا الملف الصّحفي المتعلق ببنك دول وسط إفريقيا و الذي يمكن أن ينطبق على البنك المركزي لدول غرب إفريقيا، إلا أنه يتّسم بالتعقيد للقرّاء في استعماله مصطلحات تقنية في علاقة بالضمان و التأمين. في حين يأتي كتاب “السلاح الخفي لفرنسا الإفريقية، قصة الفرنك الإفريقي”  لكاتبيه “فاني بيجو” Fanny Pigeaud “و ندونغو سامبا سيلا Ndongo Samba Sylla ليمنح المتعطشين لفهم الموضوع سردية سلسة، مستساغة و شيّقة. يسرد هذا الكتاب قصة الفرنك الأفريقي بأسلوب يمزج فيه الوقائع التاريخية والتحاليل الجيوسياسية و الاقتصادية بالأساليب الصحفية ليطرح لا فقط مكانيسمات عمل هذه العملة فقط بل أيضا ثنايا وتبعات نظام اقتصاد سياسي نيو كولونيالي، نظام يجمع يدفع نسق التداين الرهيب للاقتصادات الإفريقيّة ويحرمها من كلّ هامش حرية في اختيار نمط مستقلّ لسياساتها العمومية.

يرسم هذا الكتاب الذي تم تقديمه في تونس يوم 6 نوفمبر، تلك المرحلة من التاريخ في ادق تفاصيلها، حتى يخيل لنا عند قراءتها اننا نستمع إلى قرع الطبول و خطى أحذية الجنود الفرنسيّين وهم يجتازون سهول الفولتا العليا (بوركينا فاسو حاليّا) وسواحل الكوت ديفوار. ينقل لنا الكتاب صدى أصوات امتزجت بالدم دفاعا عن سيادة أوطانها، على غرار “سيلفانوس أولمبيو” رئيس التوغو الأسبق و “توماس سانكارا” رئيس المجلس الثوري الوطني في بوركينا فاسو”. فقد جرأ هاذان الرجلان، الى جانب غيرهما من الأصوات الإفريقية على احتجاج ضد اليد الحديدية التى تطبقها فرنسا على القارة و سكانها.

بمطالعة هذا الكتاب الذي يحتوي على مائتي صفحة و الذي نشرته دار La Découverte في سبتمبر 2018، لا يصعب علينا تخيّل الصناديق الممتلئة للخزينة الفرنسية وهي تطفح بسبائك الذهب والعملة الصعبة في مقابل الخزائن الفارغة في كل من بانغي و نيامي و باماكو. بل ستراودنا صور شوارع المدن الإفريقية الكبرى الصاخبة و الفقيرة، تناقض صور الحواضر الفرنسية المزدهرة.

ما هو مصير الفرنك الإفريقي؟ الجواب على ذلك لا يبدو سهلا  بتاتا. و لكن الأكيد أن الفصل القادم من هذه الملحمة سيسطّره ال160 مليون مواطن إفريقي الذي يزداد وعيهم يوما بعد يوم بحقوقهم في السيادة و النماء.

الترجمة الى العربية: خير الدين الباشا

التدقيق: ندى الطريقي

Hafawa Rebhi

Add comment

18 − 1 =