Barr al Aman

” لأول مرّة، تغلّبت الهوامش على مراكز السلطة ” حسب محمد الصحبي خلفاوي الباحث في العلوم السياسية

NK_KS_elections2019_RESULTS_ISIE_Modif

في الوقت الذي بدأت فيه الهيئة المستقلّة للانتخابات في الإعلان عن النتائج الأوليّة للانتخابات الرئاسيّة ، التي تقدّم فيها كل من قيس سعيد و نبيل القروي، توجهت منظمة بر الأمان إلى الباحث و الأكاديمي محمد الصحبي الخلفاوي لاستطلاع قراءته وتحليله لنتائج الاستحقاق الانتخابي.

بدءا، كيف يمكن قراءة نتائج الدور الأول للانتخابات الرئاسيّة؟

ما من شك في إنّ هذا التصويت عقابي اذ يعدّ المرشحان اللذان تحصّلا على المركزين الأولين من خارج المنظومة التقليديّة وقد تجاوز وزن كليهما في الانتخابات مرشحي الأحزاب التقليديّة  بكثير. هناك رقم لافت للانتباه يواجهنا عند قراءة نتائج المرشحين الستة الأوائل: المرشحون الثلاثة المحسوبون على النظام لم يحصلوا سوى على 30 بالمائة فقط من الاصوات في حين تحصل قيس سعيد و نبيل القروي و الصافي سعيد مجتمعين على 40 بالمائة. هذا الرقم يعبّر عن الفجوة الواسعة بين شريحة هامة من الناخبين و النخبة السياسيّة الحاليّة.

إن هذا التصويت يعبر عن عقاب للمنظومة القائمة و للطرق التقليدية للحملات الانتخابيّة كذلك. إذ نجد من جهة مرشحين جديدين اولهما قيس سعيد الذي قام بحملة انتخابيّة قليلة الكلفة و وثانيهما نبيل القروي الذي كان متواجدا على الساحة خلال ثلاثة سنوات، في مقابل جهة اخرى تضم مرشحين قاموا بحملات انتخابيّة عاديّة، عبر لافتات و معلّقات و اتصال مباشر مع المواطنين في المناطق. لقد وجد الناخبون الطرق التي اعتمدها الثنائي سعيّد و القروي أكثر مصداقيّة. و يمكن التنويه هنا بأن قيس سعيد قد أعاد اختراع مفهوم السياسة بمعناها الأصليّ، أي الصلة المباشرة التي ينبغي أن تكون عليها العلاقة بين الناخب و المنتخب.

هل يمكن أن تسائل النتيجة الحاليّة المفاهيم الرائجة حول ظاهرة الشعبويّة؟

تعتبر الشعبويّة في تقديري أحد أمراض الشيخوخة تصاب به الديمقراطيّة حين تشرع في فقدان وظيفتها الأساسيّة كتجسيد لإرادة الشعب وحكمه. فالعديد من الآراء اليوم  تعتبر أن الديمقراطيّة قد أفرغت من معناها لتصبح ديمقراطية الأقليّة النخبوية أو “الأوليغارشيّة”. و في هذا المستوى لا بدّ أن نتبيّن القطيعة مع الانتظارات الشعبيّة. تشهد تونس حاليّا أزمة اقتصاديّة قاسية ، و هي امتداد لأزمة اقتصاديّة عالميّة. و زيادة هذه الأزمات الاقتصاديّة في العالم تدفع بصعود التيارات الشعبويّة، و لا تشذّ البلاد التونسية عن هذه القاعدة : ففي زمن الأزمات الاقتصاديّة ينبغي أن نجد مُسبّبها، و هي الطبقة السياسيّة في الحالة التونسيّة. إن رقم ال50 بالمائة من الامتناع عن التصويت يعبّر بشكل واضح عن رفض للمنظومة السياسيّة الحاليّة من قبل المواطنين:

حسب رأيي توجد أربعة معايير لتعريف الشعبويّة:

  • رفض النخب
  • غياب الجانب البرامجي
  • الصلة بين المرشح و الشعب دون المرور بالمؤسسات الوسيطة.
  • اللعب على معادلة مخيالية تقول بأن الشعب دائما على حق.

إن هذه المعايير يمكن أن تنطبق على قيس سعيد و نبيل القروي و مرشحين آخرين في هذه الانتخابات. و لذلك يمكن القول أن الشعبويّة كانت حاضرة بكثافة خلال الاقتراع الأخير .

تختلف أرقام المشاركة الانتخابيّة بين منطقة و أخرى ، حيث نجد مناطق مثل تونس و قبلّي في طليعة الأرقام المتعلّقة بنسب المشاركة في حين تتذيّل ولاية باجة الترتيب. كيف يمكن قراءة هذه المؤشرات؟

تعبّر هذه الفوارق في توجهات الناخبين في تقديري عن ميراث الدولة البورقيبيّة. أعتبر أن هنالك فرقا واضحا بين الصوت الحضري و الصوت الريفي، كما هو الفارق في التصويت بين مركز السلطة و الأطراف. لقد تنبّأت قبيل الانتخابات بفوز محتمل للزبيدي أو الشاهد أو مورو نظرا لانتماءاتهم الاجتماعيّة: فأحدهم يمثل منطقة الساحل والآخران سليلا أحد أعرق العائلات بتونس العاصمة. و لكن مع ذلك سنجد أنفسنا اليوم، و للمرة الأولى إذا استثنينا المنصف المرزوقي الذي لم يتم انتخابه عبر الاقتراع الشعبي المباشر، تحت قيادة رئيس ليس اصيل منطقة الساحل أو العاصمة، وهما المنطقتان اللتان كانتا مركز القرار السياسي في البلاد منذ سنة 1705. فللمرة الأولى تمكّنت الهوامش من كسب المعركة أمام معاقل السلطة التقليديّة. حسب رأيي، فإن هذه رسالة هامة مفادها أن الناخبين قد اختاروا التغيير الراديكالي. تغيير على مستوى السياسات المعتمدة وكذلك الانتماء الاجتماعي للمترشح، إضافة إلى رفض منظومة 2014. إن هذا أحد الدروس المستخلصة من الانتخابات التي ينبغي التنويه إليها.

و ماذا عن التوزّع الجغرافي للناخبين في هذه الانتخابات؟

كان لدينا في سنة 2014، انقسام انتخابي بين الشمال و الجنوب. لست متأكدا من أن هذا الأمر قد حدث مجددا بل يغلب على ظني أن هنالك فسيفساء انتخابية مختلفة هذه المرّة. لكني لازلت مصرّا مع ذلك بأن التصويت يعكس هويّة اجتماعيّة واضحة. وفي نظري فإن كلا المرشحين قد عبّرا عن ذلك: فربات البيوت اللواتي صوّتن لنبيل القروي قد تأثرن بخطابه المتعاطف مع الفقراء و عمله الخيري طيلة ثلاث سنوات، حيث ذهب إلى المناطق التي لم تذهب إليها السلطة المركزية و تجاهلتها.

و في المقابل ، و حسب سبر آراء في الغرض فإن 37 بالمائة من الناخبين الشبان قد صوّتوا لقيس سعيد، متأثرين ربّما بصورة الأستاذ الرصين، الذي يتكلّم اللغة العربيّة الفصحى بطلاقة، مما يعطي ظاهريا صورة الشخص “النزيه” غير المتورط في الفساد، وهي كذلك صورة الأستاذ الكاريزماتي الذي أثر في مسيرتنا و الذي صادفناه أثناء حياتنا الدراسية بالتأكيد. و ليس من المفارقة أن نجد عديد الشبان الذين ينتخبون للمرة الأولى في حياتهم ، وهم بصدد التخرج من المعهد أو الجامعة قد صوّتوا لهذا الأستاذ الجامعي رغم الطابع المثير للجدل الذي تحتويه أفكاره و خطاباته. إن ديناميكية هذا التصويت تعكس الصورة التي نعطيها نحن لأنفسنا. إن هذا التصويت يعبّر عن تجلّ نفسي لشخصيّتنا و لانتظاراتنا للمثل الأعلى كذلك.

إذن و استنادا على تحليلك، لا يمكن الحديث عن عزوف شبابي عن السياسة…

لدي انطباع بأن الشباب التونسيين يعيشون أزمة انتماء. هنالك عدد كبير من الشباب الذين لا يتحكّم بهم إطار معين، فهم ليسوا في المعهد أو الجامعة و لا هم يشتغلون. و هم يشعرون بأنهم عبء على عائلاتهم و في حالة قطيعة مع المنظومة المجتمعيّة. إنها أيضا تلك الفئة من الشباب التي لم تفتح لها آفاق الهجرة. و لكني أعتقد أيضا بأنه لا يجب السقوط في فخ التعميم بخصوص التصويت الشبابي. اذ باختلاف ظروف الأفراد، لا  تمثل التفسيرات الاجتماعيّة منهجيّة مفيدة جدا في فهم توجهات الناخبين. لعل التفسيرات الشكلانية قد تفيد لفهم التصويت بالنسبة لمرشح واحد و لكن ليست بنفس النجاعة إذا أردنا فهم نوايا التصويت في سياق كامل.

الترجمة الى العربية: خير الدين باشا

Sana Sbouaï

Add comment

تسعة عشر − 2 =