Barr al Aman

مجلس الأمن القومي “ورشة تفكير إستراتيجية لا حكومة موازية” (كمال عكروت)

كمال العكروت، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون مجلس الأمن القومي، تعد هذه الشخصية المهندس الرئيسي لهذه المؤسسة كما عرف الأميرال المتقاعد بتواريه الكبير عن وسائل الإعلام. شغل السيد العكروت منصب المدير السابق للأمن العسكري و قد أشرف ضمن مهامه في ذلك المنصب على الاستخبارات العسكريّة. وقد لاحظ عديد المراقبين في خضم الحملة الانتخابيّة للدور الأول من الانتخابات الرئاسيّة ، استعمال مختلف المترشحين قراءة موسّعة جدّا لمفهوم الأمن القومي. بل عدّها البعض منهم وسيلة سلطوية لافتكاك مزيد من صلاحيات رئيس الحكومة.
لذلك، رأينا محاورة كمال العكروت جيدة لتقديم اضاءات في هذا الصدد.

بداية، ما هو تعريفكم لمفهوم الأمن القومي؟

يعني هذا المفهوم قدرة الدولة على حماية مواطنيها و ترابها الوطني و سيادتها باستعمال كافة الوسائل التي تمتلكها. في السابق كان الاعتقاد السائد لدينا بأن جيراننا كانوا “أعداء محتملين” لنا، و لكن هذه الرؤية بدأت تفقد معناها اليوم وذلك لأن التهديد الإرهابي أصبح موجودا في كل مكان. بل لعلّ الجيران المباشرين هم اليوم أبرز المعنيّين بحمايتنا من هذا الخطر، كما هو حال الجار الجزائريّ الذي يساهم بفعاليّة في حماية حدودنا المشتركة من الجهة الغربيّة. و لكن في ليبيا نعاني كثيرا من غياب نظير سياسيّ لنا بسبب غياب الدولة. كما أن الأمن الداخلي و الأمن الخارجي مرتبطين بشكل وثيق، إذ لا يمكن لنا التوقّي من الأخطار الخارجيّة في ظل واقع فوضوي داخل الحدود. لذا وجب أن لا نحاول تفضيل مواجهة الخطر المحلي على الخطر الخارجي و العكس بالعكس.

لو تعطوننا نبذة عن مساركم المهني و كيفيّة وصولكم إلى قرطاج سنة 2015؟

لقد قضيت 20 سنة كعقيد في إحدى السفن العسكريّة. و قد نجحت في إحدى المناظرات لمواصلة مساري الأكاديمي في الولايات المتحدة حيث تحصّلت على شهادة الماجستير في الأمن القومي، اختصاص مكافحة الإرهاب من هناك. و بعد هذا التكوين تمّت الاستعانة بي في ديوان وزير الدفاع أواخر سنة 2010، أي في خضمّ الربيع العربي.

كنت أعتني خاصّة بإعداد بعض الملفات التي أمدّ بها الوزير قبل انعقاد الاجتماعات المخصّصة للتداول حول بعض المستجدّات. كما تحصّل الوزير مني على بعض التوصيات التي تخص مجال الاستعلامات, و قد لقيت طريقة العمل التي قمت بها في تلك الخطة استحسانا من قبل الوزير، فعيّنني على رأس إدارة الاستخبارات العسكريّة بموافقة المرحوم الباجي قائد السبسي الذي كان حينذاك يشغل منصب الوزير الأوّل.

وفي سنة 2012، و بعد وصول المنصف المرزوقي إلى قصر قرطاج، حصلت مع رئيس الجمهورية بعض الخلافات حول مصالح البلاد التونسية و بعض الشؤون العسكريّة الأخرى-و هي خلافات لا أود التعرض إليها بأية حال- فعزلت من منصبي السابق ثم اقترح علي أن أشغل منصب ملحق عسكري في سفارتنا بطرابلس فرفضت. فتم ارسالي إلى الإمارات العربية المتحدة حيث قضيت هناك مدّة سنة و شهرين، و في نهاية سنة 2014 و قبل رحيله عن المنصب، أحالني رئيس الجمهورية الأسبق على التقاعد.

في سنة 2015، و عندما كنت في الإمارات، اتصل بي محسن مرزوق و كان حينذاك مديرا للديوان الرئاسي و أخبرني بأن الرئيس السبسي  الذي تم انتخابه حديثا وقتها يريد أن يوليني مهمّة تتعلق بالمجال الأمني، فاقترحت عليه الإشراف على هندسة مجلس الأمن القومي.

لقد وضّح الدستور تركيبة هذا المجلس بشكل كبير فكيف كان هامش المناورة لديكم إزاء النص الدستوري؟

حسب الدستور، يترأس رئيس الجمهورية مجلس الأمن القومي الذي يدعوه إلى الانعقاد، ولكن هذا الأمر لا يحصل إلا بحضور رئيس الحكومة و رئيس مجلس نواب الشعب.

ولمجلس الأمن القومي في تونس هذه الخصوصيّة في تمايز عن غيره من الأمثلة في العالم، أي حضور رئيس الحكومة و رئيس السلطة التشريعية. إذ تميل معظم التجارب العالمية في هذا الصدد إلى الجانب العملي في مثل هذه المجالس حيث تضمّ خاصّة ممثلين عن السلطة التنفيذية و قد ارتأينا ضم كلّ من الوكالة الوطنية للاستعلامات و المستشار المكلف لدى مجلس الأمن القومي إلى هذه التركيبة.

كيف تمّت هندسة المجلس بشكله الحاليّ إذن؟

قبل صدور الأمر المتعلق بالأمن القومي سنة 2017. قمنا بالعمل عبر الطريقة الموروثة عن المجلس الذي أحدثه بن علي سنة 1990 والذي أطلق عليه اسم “المجلس الوطني للأمن”. و قد كان يضم رئيس الجمهورية و وزراء الدفاع و الداخليّة و الخارجيّة إضافة إلى رئيس أركان الجيوش و كاتب الدولة للأمن و مدير الأمن العسكريّ.

لكن لماذا كانت مثل هذه التركيبة تمثّل مشكلا بالنسبة لدينا؟ أولا كان رئيس أركان الجيوش يقوم بدور لوجستيّ أكثر منه دورا قياديا فعليّا، وهذا يعود بالأساس إلى قرار سياسي يعود إلى سنة 1979 بمناسبة إعادة هيكلة الجيش التونسي. وقد كان الهدف من ذلك تفادي تركيز مختلف السلطات في يد شخص واحد. أما عن حضور مدير المخابرات العسكريّة فكان سببا شخصيّا بالأساس لإرضاء غرور بن علي الذي شغل هذا المنصب سابقا، و الذي لا يريد حتما أن يعتبر نفسه قد شغل منصبا هامشيّا خلال مسيرته السابقة.

أتذكر أنني تحدثت في هذا الأمر مع الجنرال الكاتب الذي شغل منصب رئيس أركان الجيوش الثلاثة سنة 1987 و الذي أخبرني بأن هذا المجلس كان ينعقد كل أسبوع. و قد كان بن علي دائم الحذر من العسكريّين لذا قرّر إبعادهم عن المشهد بشكل تدريجيّ.

ما هي مآخذكم إزاء هذه المؤسسة في نسختها القديمة؟

حسب رأيي يجب ان يكون لهذا المجلس اتجاه سياسيّ و استراتيجي. في حين انه في 1990 كانت تركيبتن ذات نفس “استراتيجي عمليّ” و ذلك لوجود عدد مهم من التقنيين فيها. بهذه الطريقة كان حضور بعض الاشخاص في المجلس يكون برفقة مديريهم المباشرين و هو عنصر غير مشجع لهم للادلاء يرأيهم.

و كنتيجة لذلك أرى بأن الجانب العملي و التقني في المجال الأمني يجب أن تأطره رؤية سياسيّة. و نقطة الالتقاء هنا هي الوزراء و المستشار المكلف بالمجلس إضافة إلى مدير وكالة الاستعلامات. وبعد إرساء المجلس حسب أحكام الدستور الجديد، فقد أوجدنا مجالا أرحب لحرية التعبير داخله بفضل التناغم الحاصل على مستوى التراتب الوظيفي بين الأطراف المشاركة فيه.

إن عملنا يتمركز أساسا حول مجموعات عمل و لجاننا تشتغل بمنطق مراكز الدراسات. إن المجلس بهذا المعنى هو أقرب ما يكون إلى ورشة تفكير إستراتيجية لا حكومة موازية كما قد يعتقد البعض ممن وجه إلينا هذا النقد أثناء صدور الأمر المتعلق بالمجلس سنة 2017. حيث أقوم بعرض التوصيات على رئيس الجمهوريّة ثم يحيلها إلى المجلس. و في حالة حدوث تعادل في نتيجة التصويت ترجّح كفة المجموعة التي ينتمي اليها رئيس الجمهوريّة.

لماذا لم تر وكالة الاستعلامات النور بعد؟

لقد عملت على هذا الموضوع منذ سنة 2011. حيث لاحظت ممانعة شديدة من وزارات الداخلية و الدفاع لإحداث هذا الهيكل الاستخباراتي المشترك. كان كل طرف منهما يريد أن يتولى قيادة هذا الهيكل، إضافة إلى أصحاب المناصب السياسية حيث حصل نزاع بين رئيس الحكومة و رئيس الجمهورية حول هذا الأمر.

لقد عاينّا أن مصالح وزارتي الداخلية و الدفاع لم تتعاونا بالشكل المطلوب، و لذا كان من الضروري إحداث هيكل للتعاون و تبادل المعلومات، وهو هذه الوكالة. حيث يجب على العون مدّ المصالح الأخرى بالمعلومات التي لديه و إلّا فسيُعاقب. كما تمت برمجة انشاء قواعد بيانات مشتركة بين الهياكل المعنيّة.

و يترأس رئيس الوكالة الوطنية للاستعلامات مجلس يضم رؤساء المصالح المختلفة و لكن ليس لديه سلطة اتخاذ القرار، بل يحيل كل ما لديه إلى مجلس الأمن القومي الذي يتخذ الإجراءات اللازمة، فرئيس الوكالة هو قوة اقتراح بالأساس و ليس مصدر قرار.

و من المستحسن في نظري أن يتمتع رئيس هذه الوكالة بامتيازات وزير، كما هو الحال في صربيا مثلا و أن يعيّنه رئيس الجمهوريّة و ينال ثقة البرلمان و يعمل تحت إشراف رئيس الحكومة، حيث يمكن له مخاطبة وزيري الدفاع و الداخليّة و طلب مختلف المعلومات منهما. غير أن الرئيس السبسي لم يقبل بهذا الطرح و قرر إرجاء هذا الأمر إلى وقت لاحق.

لقد تم إيقاف إطارين من إدارة الاستعلامات الراجعة لوزارة الداخلية خلال المدة النيابية السابقة و ذلك بسبب اتصالهم بأشخاص مشبوهين، ألا يعدّ هذا الأمر في صميم عمل أعوان الاستعلامات؟

صحيح، و هذا يعود إلى عدم وجود قانون يؤطّر مجال الاستعلامات. فهذا القانون الأساسي يعدّ حلقة رئيسيّة في مجال الأمن القومي وقد تمّ إعداده من قبل رئاسة الجمهوريّة في قرطاج و بمشاركة وزراء الداخلية و الدفاع و الشؤون الخارجيّة، و لكن تم تعطيل مساره في مستوى رئاسة الحكومة بالقصبة. لقد قمنا بجهود حثيثة لتسريع هذا الأمر و لكن لم نوفق لعديد الأسباب التي ليس من بينها التوترات السياسية بين رئاسة الحكومة و رئاسة الجمهوريّة كما قد يتوهم البعض.

أما بالنسبة إلى حالة الطوارئ فلدينا أمر وزاري غير دستوري لا يزال ينظم هذه الحالة الاستثنائية التي لم يوفق مجلس نواب الشعب في سن قانون ينظمها في الفترة الفارطة.

لقد أعلن وزير الداخليّة مؤخّرا الاستنجاد بوسائل إلكترونيّة لكشف المخالفين باستعمال كاميرات المراقبة. ما هي المجالات التي ستستخدم فيها بالتحديد؟ هل ستستعمل في التعرّف على الوجوه أو اللوحات المنجميّة للعربات؟

لا يمكن لي التحدث حول هذا الأمر، و لكني أعلم مثلا أنه يوجد في الصين نظام متطور من الكاميرات الذي يمكّن من تحديد هوية المواطن بمجرّد تصويره من الكاميرا. إن الكاميرا هنا مخصّصة لكشف المجرم لا المواطن العادي. صراحة لا أرى أي إشكال في ذلك؟

و هل نستعمل نفس النظام الصيني في تونس؟

لا يمكن لي الإجابة عن هذا السؤال.

هناك فاعلون قد تؤثر فيهم توازنات القوى السياسيّة على غرار القضاء. ما الذي يعنيه هذا الأمر بالنسبة لكم؟

إن قضائنا مستقل، و هو أمر مبدئي، و لكن قد نجد أحيانا بعض القضاة غير المستقلّين. غير أن هذا الأمر سيتم إصلاحه عبر الزمن سواء كان ذلك في قطاعي الإعلام أو العدالة. و برغم من مرجعيّتي كمختصّ في مجال الاستعلامات، فاني دائما ما أفضّل حرية التعبير  و الكلمة الحرّة على الصمت الذي كنّا نعيشه زمن الاستبداد.

Mohamed HADDAD

Add comment

3 + عشرة =