Barr al Aman

الاقتصاد الاجتماعي والتضامني: بديل تنموي أم واجهة سياسية خاوية؟ (حوار)

على هامش المنتدى الذي تنظمه منظمة انترناشيونال ألرت حول الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، قام فريق بر الأمان بمحاورة الدكتور في الفلسفة و الخبير في الاقتصاد الاجتماعي و التضامني الأستاذ لطفي بن عيسى للحديث حول مقترح الاتحاد العام التونسي للشغل والخلافات مع الحكومة التي أدت إلى تعطيل مسار تركيز هذا القانون.

ما هي فلسفة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني؟

هي رؤية مجددة للاقتصاد. ليس لتوظيف المجتمع من أجل الاقتصاد بل لأجل قلب المعادلة وجعل الاقتصاد في خدمة المجتمع. غايته لا الكسب بل سعادة الانسان وتطوّره و نموه. لأجل تحقيق المساواة بين الافراد و الجهات و الأجيال. 

و ذلك يتجسد في مبادئ و أدوات و استراتيجيا و سياسات مختلفة عن القطاعين التقليديين العام و الخاص أهمها أوليّة الإنسان على رأس المال والديمقراطية المياشرة. كل مساهم له صوت واحد بغض النظر على قيمة مساهمته. 

في السياق التونسي، من بين المنظمات الوطنية المتواجدة على الساحة، كانت المنظمة الشغيلة هي الحاملة لهذا المشروع. ماهي الأسباب التي تفسّر العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل و هذا المشروع؟

الحركة النقابية منذ نشأتها مع محمد علي الحامي في عشرينات القرن الماضي ارتبطت أيضا بتأسيس تعاضديّات استهلاك لتخفّف على العمّال وطأة غلاء الأسعار. هذا مسار ساهم في بلورة رؤية المنظمة الشغيلة للاقتصاد والتي ترجمت في البرنامج الاجتماعي و الاقتصادي للاتحاد غداة الاستقلال.
تعزّز هذا المسار بتأسيس بنك الشعب وهو بنك تعاوني، موّل تعاضديّات في كل مجالات الاقتصاد، قبل أن تتبنى الدولة منهج التعاضد كمنهج تنموي رسمي. التجربة الرسمية فشلت لأنه تم الإغفال عن بُعديْن أساسييْن من أبعاد الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وهما حرية الانخراط و الخروج من المؤسسة و الاستقلالية في القرار تجاه السلط السياسة و الدولة. أخذت منحى تسلّطيّا يفرض على الناس ما ينتجون. في هذا الإطار بادر الاتحاد العام التونسي للشغل بتبنّي مقاربة تشاركية تقوم بتشخيص الإشكاليات ونقد التجربة السابقة.

ماهي ملامح مقترح النص القانوني للاتحاد؟ 

أفضى التشخيص الذي أجريْناه الى أن تعدّد أنواع مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي و التضامني ولّد شتاتا تشريعيا كبيرا، دون أن يكون هناك نصّ جامع. هناك أيضا نقص دراية لدى هذه المؤسسات بطبيعة القاسم المشترك الذي يجمعهم من مفاهيم و أهداف و لا رابط تنظيمي بينهم و لا وسيلة تمويل لهم (تتعامل البنوك التجارية معهم بمنطق الضمانات). 

لذلك حرص الاتحاد على التعريف بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني كعمل جماعي لغايات اجتماعية و تنموية لا لغاية مراكمة الثروة. وحرص الاتحاد أيضا على رسم أهدافه و إحصاء المؤسسات المُكوّنة له. بل تمّ أيضا إدراج المشاريع الفردية ذات الصبغة الاجتماعية المسّماة بالمقاولات الاجتماعية بشروط و مع استثناء تلك التي تريد الاستثمار في الخدمات العمومية الأساسية (نقل، تعليم، صحة).

كما خصّصنا بابََا للهياكل التي ستسهر على رعاية هذا القطاع، مركزيّا و جهويا. وبابََا يعنى بالتمويل.

تم إيداع المقترح لدى الحكومة في نوفمبر 2016 رغم وجود قائمة من 50 نائب مستعد لتبنّي القانون في المجلس. ظنّت قيادة الاتحاد أن الحكومة ستقوم بدعم المشروع كما قدمناه، لكن الأمور أخذت مسارا آخر.

يمكنكم الإطلاع على حصتنا حول تجربة جمنة:

S2EP02 : جمنة: تجربة في الاقتصاد التضامني و الاجتماعي

ما الفرق بين مقترح الاتحاد ومقترح الحكومة؟

على ضوء التشخيص، قامت لجنة الصياغة المكلّفة من الاتحاد بإدراج ثلاث مكونات أساسية في القانون.

  • أولا، يجب أن يكون هذا النص قانونا أساسيّا لكي يُصبح مُلزما وله علويّة على بقيّة القوانين المنظمة لمكوّنات الاقتصاد الاجتماعي والتّضامني مثل الشركات التعاونية أو قانون التعاضديات وهو ما سيمكن من تجنّب التضارب القانوني. 
  • ثانيا، أرسينا في الباب الثالث مؤسّسات تنظيمية تهيكل القطاع و تجعله ذا مكانة. 
  • ثالثا، وضعنا الأسس القانونية لتأسيس بنك تعاوني يقوم على مساهمات المشاركين فيه، ويكون وسيلة لتمويل مشاريع هذا القطاع الجديد.

في مرحلة أولى، قامت الحكومة بنسف مقترح الاتحاد و إفراغه من مضمونه، اذ قامت بإلغاء الباب المتعلق بتنظيم هيكلة مؤسسات هذا القطاع. ورفضت جعل القانون قانونا أساسيّا، كما رفضت تكوين البنك التضامني متعللة بأن ذلك دور البنوك التجارية.

قام الاتحاد بردّ الفعل و بالضغط، و بادرنا بتأسيس لجنة صياغة مشتركة بين الاتحاد والحكومة بحضور وزارتي التشغيل و العلاقة مع المجتمع المدني على أمل تحسين النص. لكن تفاجأنا بأن الحكومة لم تكن لها النية في إيجاد حلول تحافظ على الروح المطلوبة للقانون بل رأينا ان المسؤولين يدافعون على تدخّل الدولة لتوجيه القطاع من خلال وزارة وهذا ينسف قيمة الاستقلالية و يعيد نفس أخطاء الماضي. فرفضنا مواصلة النقاش. 

إلى حد الساعة، تمت اعادة ادراج فكرة الهيكلة ولكن بقي لدى الحكومة اعتراضان أساسيان وهما: أن يكون القانون أساسيا وأن يتم تأسيس البنك اتعاوني

تحدثتم على استثناء قطاعات النقل والصحة والتعليم من القطاعات التي يمكن للاقتصاد الاجتماعي والتضامني الدخول فيها. هل يعني ذلك أن القطاع لن يتسع لتعاضدية نقل يؤسسها فلاحون للتنقل أو لنقل سلعهم؟ 

لم يكن ذلك المقصود. لا ضير في ذلك بل هناك حاليا تعاضدية تنشط منذ عقود في مجال الصحة.

يتعلق هذا الاستثناء بالشركات التجارية التي تريد الدخول تحت يافطة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني و في حين أنها تعمل حسب أسس الشركات الرأسمالية. قد يكون القانون إذا مدخلا لتجذير خوصصة الخدمات العمومية.

القطاع الخاص اقتحم هذه الخدمات الاساسية من تعليم وصحة ونقل وعمّق الفوارق بين الطبقات الاجتماعية. ولا نريد لهذا القانون أن يصبح أداة لتفشّي هذه الظاهرة.

أين نحن الآن في هذا المشروع؟

لقد قطعنا شوطا من ثلاثة أشواط في مسار تركيز هذا القطاع الا و هو شوط الاعتراف السياسي. و بقي شوط التأسيس القانوني و التركيز الاقتصادي. خلال السنوات الأخيرة، ربحنا المعركة السياسية في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. في 2011، لم يكن أحد يتحدّث عن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. في 2014، كل الأحزاب كانت تتنافس حول شعار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في البرامج السياسية. كان ذلك نتاج عمل المجتمع المدني ومنظمات الاتحاد.

وتدعمت بإصدار الدراسة الاستراتيجية في الغرض الممولة من صندوق الأمم المتحدة للإنماء.

لقد تجاوزنا مرحلة الاعتراف السياسي بالاقتصاد الاجتماعي و التضامني. لكن الرهان حاليا يكمن في الجانب التشريعي. إمّا أن يكون هذا القانون فرصة لإعطاء هذا القطاع مكانته الحقيقية أو سيكون وسيلة لجعله مجرد واجهة جميلة دون أثر فعلي في الواقع.

يبقى بذلك القطاع هامشيا ولكن سيكون موجودا كعنوان سياسي. عندما نصادر للقطاع ذراعه المالي. لا يمكن أن يتقدم. 

جاء على لسان رئيس الحكومة المكلف أنه سيضع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني صلب أولويّاته. هل أنت متفائل بمستقبل هذا المسار؟ 

على العكس, لقد أصبحت خائفا أكثر من الفترة المنقضية. فقد تبادرت لنا أصداء حول محاولة ربط تمويل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بصندوق الزكاة. لن نتحدث على تمويل حداثي من خلال بنك بل عن صندوق زكاة.

هو نسف لمضمون التضامن و جره مجددا الى مربع التمويل الخيري الذي نريد القضاء عليه. هذا نوع من التوظيف السياسي و لقد رأيْنا عواقبه الوخيمة. هو استثمار وتوظيف للفقر و تأبيده.  

ما الفرق بين انشاء صندوق زكاة و تأسيس جمعية خيرية؟ ليس هناك مبرّر لهكذا صندوق اذ أنّ الدستور يضمن للمواطن حقوقه و الدولة ملزمة بتوفير الشغل و مقومات العيش الكريم له.

في أمريكا الجنوبية الاقتصاد الاجتماعي والتضامني مدستر.

نعم في هذه البلدان، هناك مُقاربة أكثر راديكالية، الاقتصاد الاجتماعي و التضامني هو بديل للنظام الرأسمالي. بالنسبة لنا فقد اتخذنا منحى تعايش القطاعات الثلاث لكن في المدى البعيد هكذا أراه. 

في المستقبل، كل تعاضديّة يجب أن تكون مشروعا مُربحا. نحن سنبذل قصارى جهدنا لكي تنجح هذه المؤسسات و تكون لها فوائض “excédents”. لكن الهدف في الاخير هو الاكتفاء او الكفاف لا مراكمة الثروة، خاصة في عالم مهدد بالثقافة الاستهلاكية التي يدفعها الإنتاج الاستنزافي. 

يمكنكم الإطلاع على المقال التالي حول تجربة جمنة: 

Tunisie/Jemna: l’Etat, jaloux d’une ONG qui le dépasse

في مقترح الاتحاد يطلب القانون من الدولة دعم الاقتصاد الاجتماعي و التضامني ليصبح مستقلا عن الدولة. هل تقبل الدولة بذلك؟ 

هذا السؤال يعود بنا الى نقد التجربة التعاضدية سابقا والعلاقة التي يجب تكون موجودة بين المجتمع المدني والدولة. الحكومة الجديدة ستتكون من الأطياف السياسة التي أوصلت المشروع إلى ما هو عليه اليوم. و هنا يجب على الدولة أن تكون قادرة على تركيز المسافة المناسبة بينها و بين القطاع، أي حياد للدولة عن مسار المشروع أو أي محاولة لإنكاره.

ألن يؤدي هذا الدعم من الدولة الى حالة تبعية اقتصادية لهذه المؤسسات للدولة تمنعها من أن تصبح مبادرات اقتصادية مستدامة؟ 

هنا الخلط الذي وقع بيننا وبين الحكومة. كل ما طلبناه من الدولة هو التشريع لوجود هذا البنك التضامني. لكن المساهمات في رأس مال هذا البنك لن تكون من التمويل العمومي بل من مساهمات المتعاضدين في البنك، و للدولة المساهمة إن أرادت ذلك. لكن ما نطلبه هو إعطاء مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني نفس الامتيازات التي تمنحها للقطاع الخاص من امتيازات جبائية و دعم و تشجيع للاستثمار. 

في علاقة بالحكم المحلي، هل تأخذ مبادرة الإتحاد بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية للتنمية؟  

تم تكريس الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في قانون الجماعات المحلية في الفصل 109 و ذلك لدفع الاعتراف بالقطاع من طرف البلديات و تكريس اقتصاد محلي قائم على القرب. تطبيق هذا الفصل لا ينتظر سوى هذا القانون لتنطلق المبادرات. 

 

Nada Trigui

Hafawa Rebhi

Add comment

4 × 1 =