Barr al Aman
. DRTruck used by LNA scrap collectors in Benghazi

ليبيا: التهريب في خدمة العسكر (2/2)

كما سبق و أن بيّنا خلال المقال الأوّل الذي تناول سيطرة الجيش الليبي في المنطقة الشرقية على الأصول الماليّة و الممتلكات عن طريق “هيئة الاستثمار العسكري“، لم يقتصر التغوّل الاقتصادي للمؤسّسة العسكرّية على المصادر التقليدية للاقتصاد بل تجاوز ذلك إلى وضع اليد على تجارة التهريب.فرغم الطابع غير المشروع لهذا النشاط الاقتصاديّ، إلا أننا نجد  القيادات العسكرية قد تورطت فيه حتى النخاع، بل و ساهمت حتى في إذكائه و تنظيم شبكاته و تهيئتها على النحو الذي ييسر من تحقيق مآربها الاقتصادية و السياسية، و ذلك في مفارقة عميقة، من جهة تدّعي دائما بأنها الطرف الليبي الوحيد الحريص على فرض القانون و محاربة مختلف مظاهر الفساد الماليّ .

يمكنكم الإطلاع على المقال الأوّل: ليبيا: الاقتصاد، الوجه الخفي للحرب (1)

نستعرض من خلال هذا المقال أوجها جديدة من تجارة التهريب في شرق ليبيا وعلاقتها بلعبة السلطة و النفوذ من خلال مثاليْن دقيقيْن، تجارة بقايا الصلب أو الخردة المعدنية و التجارة غير المشروعة للمنتجات البتروليّة المكرّرة وكلا النشاطين كان مصدرا مجزيا للكسب غير المشروع بالنسبة للكتائب المسلحة المنتمية لقوّات عمليّة الكرامة طيلة السنوات الخمس الأخيرة و عاملا حاسما في توطيد نفوذها السياسي.

تجارة الخردة المعدنية : مورد جديد لتمويل قوّات حفتر ؟

حافظت مختلف الحكومات الليبية المتعاقبة، بما في ذلك النظام السابق على حظر لتصدير الخردة المعدنيّة من ليبيا، باعتبارها أحد الأصول الاقتصادية الهامة لإنتاج الحديد و منتجات الصلب بأسعار تنافسيّة، و قد تم تأكيد هذه السياسة لاحقا و تكريسها من قبل المجلس الانتقالي في 2012 عبر قرار وزارة الاقتصاد رقم 199 لسنة 2012. بل و تم الالتجاء حتى إلى دار الإفتاء سنة 2017 لاستصدار فتوى تحرّم بيع هذا النوع من المنتجات ضمانا لبقاء هذا المَوْرِد الاستراتيجي داخل البلاد.

غير أن ازدياد كميّات الخردة المعدنيّة بشكل كبير نتيجة المعارك المتواصلة منذ سنة 2011 و خصوصا بقايا المركبات العسكريّة المهجورة و الأسلحة القديمة لجيش القذافي قد ساهم في إحداث تحوّلات هامّة في المبادلات المتعلّقة بهذا النوع من السلع. إذ كشفت دراسة سوق سريّة لصناعة الصلب في ليبيا سنة 2014 وجود ما يتراوح بين 12 و 21 مليون طن من الخردة المعدنيّة في البلاد. ( ص 9)

اشترت مصانع إنتاج الصلب و الحديد المحليّة و خاصّة منها المملوكة للدولة على غرار “شركة ليبيا للحديد و الصلب” هذه البقايا بأسعار تفاضليّة تناهز 150 دينار ليبيّا (108$) للطن الواحد، في حين يبلغ سعر السوق الدوليّة بين 230$ و 290$ للطن. ممّا أغرى تجارة التهريب-هي الأخرى- للاستفادة من هذا المورد ضمن شبكات محدّدة في مختلف المناطق بدأت بالتنظّم للاستفادة من هذا المورد ضمن شبكات محدّدة في مختلف المناطق، تنطلق من نقطة مركزية متمثلة في سوق لتجميع الخردة بمنطقة ورشفانة ليتم منها تهريب البضاعة عبر طريق الشويرف الصحراوي إلى الجنوب و منها إلى مسالك التهريب في تشاد و الجزائر خاصة.

أصبحت هذه التجارة بالتالي مصدر إثراء للميليشيات الليبيّة، بدءا من ميليشيّات المناطق الصغيرة وصولا إلى القوات المسيطرة على الموانئ، حيث تتولى تصدير هذه المواد هي الأخرى بطريقة غير مشروعة ، و لكن عن طريق البحر هذه المرّة . و كردّ على هذه الممارسة حاولت السلطات الرسميّة في طرابلس و مصراتة كذلك إقامة حظر على هذه الصادرات منذ أواخر سنة 2016 عبر مجموعة من القرارات يبقى أهمّها بلا شكّ إصدار  المجلس البلدي لمصراتة تعليمات إلى سلطات الموانئ في هذا الشأن. إلا أن نتائج ذلك كانت دون المأمول إذ بقيت تركيا هي أكبر دول العالم المستوردة لخردة الألومنيوم ذات المنشأ الليبي(122.879 طن سنة 2018)…و لكن مع تغيير بسيط في المواقع.

إذ نظرا لتطبيق القانون بشكل أكثر حزما  في الجانب الغربيّ من البلاد فقد يمّم تجار الخردة وجههم شطر الشرق الليبي، و تحديدا إلى ميناء “طبرق” و ميناء بنغازي الذي أعيد افتتاحه في أواخر سنة 2017. فأفرزت هذه التجارة إيرادات جديدة من العملة الصعبة للقوات المسيطرة على هذه الموانئ، أي القوّات الموالية للمشير خليفة حفتر، التي استلمت المشعل عن ميناء مصراتة كبوّابة رئيسيّة لتصدير الخردة المعدنيّة الليبيّة.

يمكنكم الإطلاع على المقال التالي: في ثنايا المشهد الليبي: ما وراء تعقيدات معركة طرابلس

لم يكن هذا الأمر ليمرّ دون أن يلفت انتباه قادة قوّات الشرق الليبي بالتأكيد، فقد ضغط هؤلاء على الحكومة المؤقتة لإعفاء “هيئة الاستثمار العسكريّ” من حظر تصدير الخردة المفروض سنة 2012 عبر قرار صدر في 18 ديسمبر 2017 و بطلب موقّع من “حفتر” نفسه. وبذلك بدأت الهيئة العسكريّة الإشراف مباشرة على هذا القطاع.

و بسرعة كبيرة تم تنظيم شبكة التهريب عبر جملة من المراحل تختلف باختلاف المستفيدين، حيث كانت الهيئة العسكريّة تتلقّى ما بين 50$ و 70$ للطن من الخردة الذي يتم تصديره بمتوسّط سعر يعادل 150$، في حين تقوم جماعات مسلحة أخرى موالية لحفتر بالسيطرة على عدد من منشئات البنية التحتية و بعض الممتلكات الخاصة لتفكيكها و بيع الخردة المعدنية الناتجة عنها.

وقد أدى التنافس على تصدير هذا المورد في مرحلة متقدّمة إلى نزاعات بين قادة “الجيش” أنفسهم، فعندما تمّت إعادة فتح ميناء بنغازي في ديسمبر من سنة 2017، تمّ نقل تجارة الخردة إليه و إغلاق ميناء طبرق بسبب مزاعم حول استعماله في تجارة موادّ غير مشروعة، مما أضر بالمجموعة العسكرية المسيطرة عليه و تسبب في احتدام مجموعة من الصراعات ،انتهت بإعادة فتح الميناء في مرحلة لاحقة بعد مفاوضات بين قيادة الجيش و السلطات المحليّة و العشائر الكبرى في طبرق.

تهريب البترول المكرّر في الشرق الليبي : التحايل على العقوبات الأمميّة

في سنة 2010 كانت ليبيا تصدّر ما قيمته 1.65 مليون برميل من النفط الخام يوميّا و 594 مليار متر مكعّب من الغاز الطبيعي، أي ما يشكّل مجتمعا قرابة 96 بالمائة من الميزانيّة العامّة  و 65 بالمائة من الناتج المحليّ الإجماليّ، و لكن بعد ثورة 2011 انخفض إنتاج النفط ليصل إلى 0،4 مليون برميل يوميا في سنة 2016 في حين تراجعت العائدات السنويّة للنفط من 40 مليار دولار إلى 4،6 مليار دولار. إذ أنّ ليبيا، على مواردها الطاقية الغنيّة، لا تمتلك سوى طاقة تكرير محدودة للغاية، و تستورد أكثر من 90 بالمائة من إنتاجاتها المكررة للاستهلاك المحلي.

يقدر ديوان المحاسبة الليبي أن تهريب المنتجات البترولية المكرّرة يكلّف الدولة حوالي 20 مليار دولار بين 2014 و 2017. ممّا حدا بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى اتخاذ قرار يوسّع العقوبات على صادرات النفط غير المشروعة من ليبيا لتشمل المنتجات البترولية المكررة. و قد تمّ اتهام فرع حرس المنشآت النفطية بالزاوية و خفر السواحل المحلّي بالضلوع في عديد عمليّات التهريب البحري كما بيّن ذلك تقرير لمجلس الخبراء التابع للأمم المتحدة في فيفري 2018، حيث  اعتُقل “فهمي سليم” من مدينة زوارة أحد كبار المهرّبين في 24 أوت 2017 و تم التضييق على عدد من المهربين الآخرين في مدينة “صبراتة” من خلال عمليّة عسكريّة في سبتمبر 2017 ، وهو ما ساهم بشكل معيّن في الحد من نشاط تهريب النفط في أوائل سنة 2018.

أمّا في الشرق الليبي فكان توفير النفط و مشتقاته امتيازا حصريّا ل”هيئة الاستثمار العسكري” بدعوى “الحفاظ على مصالح الأمن القوميّ” لكن يبدو أن الأرباح التي تدرّها تجارة تهريب المنتجات النفطيّة لم تكن ببعيدة هي الأخرى عن أنظار ضباط قوّات حفتر..

بيّن عدد من سجلّات الإمدادات المسجّلة من قبل المؤسّسة الوطنيّة للنفط في بنغازي و طبرق، وجود بعض الحالات المريبة التي كانت فيها الكميات المورّدة أعلى من احتياجات السفن للملاحة، حيث يتمّ التضخيم من حجم احتياجات تزويد السفن بالنفط بشكل مصطنع لبيع الكميات الباقية عن طريق التهريب، و أشارت بعض المصادر إلى استفادة بعض الجهات في الشرق الليبي من الإجراءات التي تم اتخاذها ضدّ شبكات التهريب في زوارة و العقوبات الدوليّة ضدّ “محمد كشلاف” آمر كتيبة النصر بالزاوية (أحد كبار مهرّبي النفط بالغرب) لبناء شبكات جديدة ورثت العلاقات السابقة مع الشبكات المالطيّة للتهريب.

ومن المعروف أن لبعض مهرّبي المنطقة الغربيّة علاقات وثيقة ببعض رجالات السياسة و الحرب في المنطقة الشرقيّة  خصوصا “علي القطراني” أحد كبار رجال الأعمال ببنغازي و المموّل الأبرز لما يعرف ب”عمليّة الكرامة” التي قادها خليفة حفتر و الذي سبق له الدفاع بشدة عن “فهمي سليم ” أمام السلطات المالطيّة في رسالة وجهها إليها بتاريخ 23 نوفمبر 2015 بصفته رئيس لجنة الاستثمارات الخارجيّة و التجارة في مجلس النواب ، معتبرا “فهمي سليم” صاحب أنشطة تساعد “على تطوّر الاقتصاد الليبي”.

هذا عن سوق التهريب البحريّة للنفط المكرّر أما في المناطق البريّة فقد تمّت إعادة هيكلة مسالك التهريب القديمة المعتمدة منذ أيام النظام السابق و موائمتها مع المصالح العسكريّة و السياسيّة الجديدة لقوّات حفتر مع الأخذ بعين الاعتبار التوازنات العشائرية و الإثنية المعقدة في منطقة جنوب البلاد.

أحد أكثر المناطق التي تجلّت فيها هذه الشبكة الريعيّة التي ورثها حفتر و طوّرها لخدمة مصالح الميليشيات المساندة له كانت “حقل السرير النفطي ” غير بعيد عن مدينة الكفرة ، فقد عهدت حكومة الشرق الليبي إلى لواء “أحمد الشريف” التابع لقوميّة التبو و الذي يقوده الضابط العسكري “علي شيدة” بحماية الحقل، في حين يشغل شقيقه المسؤوليّة المباشرة على المنطقة النفطية و يشارك في تهريب منتجات البنزين إلى البلدان الإفريقية المجاورة.

حيث تبلغ تكلفة البرميل الواحد قرابة الثلاثين دينار ليبيا للبرميل و يباع في السوق السوداء في الجنوب بمبلغ يتراوح بين 60 و 90 دينارا ليصل في التشاد إلى ما يعادل 120 دينار ليبي للبرميل، تستفرد منها مجموعة “علي شيدة” ب30 بالمائة من الارباح. و كل هذا يحدث تحت العين الساهرة لقوّات حفتر التي تتيح للواء المذكور الاطلاع على كشوفات الإيرادات المتحقّقة من خلال تهريب المنتجات النفطيّة عبر الحدود. إضافة إلى غضّ القيادة العسكريّة النظر عن ممارسات تهريب النفط الأخرى التي تقوم بها الميليشيات التابعة له و المسيطرة على بعض الحقول و الموانئ النفطية الأخرى.

 

Khayreddine Bacha

Add comment

5 + 15 =